قضيتنا مع الدِّنْكة …

بقلم / منهل عبد الأمير المرشدي ..
مع بداية الحرب بين العراق وإيران في أيلول 1980 تم استدعاء مواليد الاحتياط من سنة 1947 صعودا وكان من بين المدعوين الحاج أبو كاظم الذي كان يعاني ضعفَ البصر ولم تمضِ على الحرب سوى تسعة أشهر حتى أصيب بشظية في ساقه مما جعله يحصل على إجازة مرضية طويلة وتم منحه مكرمة القائد الضرورة للجرحى بسيارة نوع برازيلي . استلم السيارة لكنه كان ضعيفا في السياقة وكانت عائلته تدخل بالإنذار وتتوجه بالدعاء إلى الله أن يعود سالما كلما يخرج بسيارته من البيت . كانت المشكلة الأكبر للعائلة عند عودة الحاج أبي كاظم للبيت ويريد إدخال السيارة بالكراج . عيونه تشرئب وتصاب بالحول المؤقت وزوجته وأطفاله يقفون أمامه والقلوب في الحناجر يؤشرون له ( بويه يسرة . شويه يمنه .اطلع عدل . على كيفك . هوووب ضربت الدنكة ) ويضرب السيارة بـ (دنگة) باب الدار . حالة استمرت مع أبي كاظم من دون أن يجد لها حلا وكل ما يأتي بالسيارة ليدخل البيت يضرب (الدنكة) مرت سنة كاملة حتى نهاية العام 1981 ومشكلة عائلة أبي كاظم التي عرف بها كل أهالي المنطقة أنه كلما خرج وعاد الى البيت يضرب (الدنكة) حتى تهشمت دعامية السيارة والإشارات الضوئية الجانبية . انتهت الإجازة المرضية لأبي كاظم والتحق بوحدته في القاطع الجنوبي إلا أنه ما إن وصل الى الجبهة حتى اندلعت المعارك وتم أسره من قبل القوات الإيرانية . بقي في الأسر قرابة العشرين عاما خلال سني الأسر كبر أبناؤه وقام ابنه الكبير كاظم بإصلاح السيارة وتجميلها وتعلم السياقة وأخذ يعمل عليها في الأجرة . في سنة عام 1990 تم إبلاغ العائلة من قبل الفرقة الحزبية بعودة أبيهم من الأسر مع وجبة الأسرى الذين سيصلون غدا لمقر الشعبة الحزبية . فرحت العائلة وذهب كاظم والدنيا لا تسعه من الفرح وهو يتخيل شكل أبيه الذي لا يتذكره حيث افتقده وهو صغير . جاء الأسرى وبدأ النداء بالأسماء ونادوا باسم أبي كاظم فصاح ابنه نعم . نعم أنا ابنه . أسرع نحوه واحتضنه وأركبه في سيارته لكن الرجل كان كبيرا في السن ولا يعرف كاظم ولم يسأله عن السيارة ولم ينطق سوى كلمة واحدة ( اشلونكم بوية ) وأعاد نفس الكلمة ( اشلونكم بويه) أكثر من عشرين مرة الى أن وصلوا البيت فشاهدته أم كاظم فصاحت بولدها ( ولك هذا منين الرجال هذا مو أبوك ) . لقد أكد ذلك حتى الجيران الذين استقبلوهم والرجل لا يقول سوى كلمة (اشلونكم بويه) . أرجعه الى الشعبة الحزبية وأخبروها أنه ليس أباهم لكن تشابه الأسماء والرجل فاقد للذاكرة . بعد شهر واحد تم تبليغه بأن أبيهم سيصل مع وجبة الأسرى الجديدة نهاية الأسبوع . ذهب كاظم حسب الموعد وسمع اسم أبيه واحتضنه وأصعده بالسيارة لكن القلق يراود قلبه فالرجل لا يشبه أبيه الذي في مخيلته . كان الرجل صامتا يتلفت وينظر للسيارة وللشوارع باستغراب حتى نطق وقال (هذي السيارة مالتك بوية ؟) . ضحك الإبن وقال له (لا يابة هاي سيارتك ما تتذكرها جنا ازغار وجنت اتفرفر بينا بيها ) . أصابت الرجل الدهشة والتعجب والصمت المطبق مما أعاد الشك للمسكين كاظم بأن هذا ليس أباه أيضا وقبل أن يصل البيت بادر ليسأله ( يابه تحب تجي اتسوق أشوية ) كي يتأكد منه هل يعرف البيت حتى لا يتكرر ما حصل تلك المرة . استلم الحاج السيارة وهو يسوق ويقول ( بويه دليني المنطقة متغيرة ) . زاد الشك عند الإبن حتى وصلوا البيت فطلب منه أن ينزل ليفتح الباب . نزل كاظم وفتح باب الدار والحاج أبو كاظم ( عدل ستيرن و كبل على الدنگه وجان يفلش السيارة بالدنگه ) أم كاظم التي كانت تقف بالانتظار وبالمباشر صدحت بهلهوله عراقية أصيلة وصاحت ( ولكم هوه هذا أبوكم عرفته من فلشّ الدنگة . بعد روحي أبو كاظم مشتاق للدنكة . ) . حكاية من ذلك الزمن القبيح تذكرني بساسة اليوم الذين كلما تأملنا بمن يأتي خيرا نراه لا يختلف عمن سبقه كثيرا فجميعهم من هواة تفليش الدنكة . المهم أن الدنكة باقية وسيرحل الراحلون .



