اراء

المقالة المتأخرة.. كيف أصبحنا أمة الحشد؟!

 

بقلم / عمار محمد طيب العراقي..

ربما مضى وقت أكثر مما ينبغي، وأنا لم أنشر نصاً جديداً، ليس لأنه لا توجد مشكلات ينبغي مقاربتها، ولا لكسل مني أو لغياب الفكرة أو الموضوع، ولا بسبب قصور في قدرات البناء الفني للمقالة، بل لأن الاضطراب المجتمعي الواسع، الذي ما يزال شعبنا يعاني من آثاره، الناجمة عن تصدي زمر النكوص واللصوصية والفساد لقيادة العراق، والتي دفعنا ثمناً باهظاً للتخلص منها، حتم عليَّ وعلى رجال من شاكلتي؛ القيام بواجبهم تُجاه ما حدث..

اليوم ونحن نستذكر ارتحال قادة الانتصار الى ملكوت الافتخار، وفي أجواء خلاصنا من زمر الخطيئة والعار، ورحيلها محملة بالشنار، تحضرني بعض الأفكار، عن نوع الذين رحلوا عنا أجسادا، ولم يرحلوا وجودا وتأثيرا أبدا..

منذ أمد طويل والعراق يعاني من مشكلة غياب القيادة، ولذلك فإن العراقيين ومنذ قرابة أثني عشر قرنا، أي منذ غيبة الإمام المنتظر “عجل الله فرجه الشريف”، كانوا عندما تواجههم المحن يفزعون الى المؤسسة الدينية.. التي تصدت الى مسؤولية حفظ مصالح الأمة، بالتوجيه والإرشاد والنصح، بيد أن هذا النشاط جوبه بقسوة مفرطة؛ من قبل الحكام الطغاة، الذين تسيدوا العراق طيلة قرون القهر والإذلال، وعلى هذا الطريق قدمت المؤسسة الدينية الشيعية، تضحيات جسيمة، كان في طليعتها كبار العلماء، وكان عليها ان تمارس التقية تارة، والتصدي المباشر تارة أخرى..

في الأزمنة الحالكة الظلام، لم يبخل التاريخ على العراقيين؛ بإنجاب رجال مؤمنين أقوياء ذوي بأس شديد، يقفون رهن توجيهات ونصائح المرجعية، أيد ضاربة مضحية متصدية، ولو بصدور عارية، للدفاع عن مصالح الأمة ووجودها وكيانها، هؤلاء كانوا مشاريع قادة.. نعم كانت هنالك مشاريع قيادة، ولكنها تبقى مجرد محطات، استطاعت أنظمة الحكم الطغموية السلطوية؛ قمعها والقضاء عليها، لكن الأثر التراكمي لتلك المشاريع، بقيت جذوته في ضمير الأمة، وإن كانت جذوة جمر تحت الرماد.

مسؤولية القائد خاصة وليست مسؤولية عامة، ولا يمكن لأي شعب أن يمضي نحو المستقبل دون قيادة؛ توحد الجهود وتوجهها نحو تحقيق الأهداف، ووجود القائد وإمكاناته وقدراته، تحدث فروقاً جوهرية في حياة المجتمعات الحية، إذ إن المشكلات التي تواجهها، تفرض حلولا متعددة ومعقدة، والاهتداء إلى أفضل الحلول وأنسبها، ثم إنجازها على أرض الواقع..

إرهاصات القائد لاحت في الأفق، مع الصحوة الإسلامية الكبرى عام 1979، والتي ما تزال ارتداداتها بعد أكثر من أربعين عاما، مستمرة في المنطقة على المستويات المعاشة والاستراتيجية.

مع زوال نظام صدام؛ لم نكن نعرف رؤوسنا من أقدامنا، فقد بتنا مشتتين، شعب من القادة، وهذا وضع يخدم المحتل ومن تشاطأ معه، وجرت حملات منظمة؛ لاقتلاع اية بذرة قيادة تنمو في حقول العراق، فكان الإرهاب الذي هو صناعة أمريكية صهيونية وهابية، أداتها الأكثر نشاطاً وفاعلية.

انتاج داعش كضد للشعب العراقي، كان فائدة عظيمة لنا، فقد برزت من بين صفوفنا القيادة العقائدية، (المرجعية) التي أطلقت فتوى الجهاد الكفائي، لتتلقفها القيادة الجهادية (الشايب)، المدعوم بربيب الصحوة الإسلامية (فارس كرمان) ويتحول عندها الشعب العراقي، من شعب مرتبك بلا قيادة، الى شعب منظم، هو (أمة الحشد).. ((وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى