السفينة

عبدالأمير المجر
-ليسوا قراصنة ….!!
قالها رجل بجانبي وهو يرتجف من منظر المسلحين الذين اندفعوا باتجاهنا، نحن الركاب الذين اصابنا الفزع، وتعالى من حولنا صراخ النسوة والاطفال..
-لقد وقعنا بأيديهم !!!! صاح رجل آخر وهو يضرب وجهه بكفّيه أسفا ..!
أخيرا، تم اخبارنا بان سفينة على وشك الوصول .. تهيأنا جميعا، وقد اغتسلت وجوهنا بابتسامات أمل، نافضة آثار الترقب الطويل والخوف، واخذ بعضنا يرقص حين رأى السفينة تقترب من الساحل .. لقد بدأت الرحلة..!
حين صعدنا عرفنا ان السفينة فيها اكثر من ربّان، سيساعد بعضهم البعض، ما زاد من فرحتنا واطمئناننا، فصرنا نرسم للغد صورا عدة، تفيض بالأمل، وكان هذا باعثا على الفرح الغامر الذي جعل بعضنا يغني ويرقص فيما كان آخرون يصفقون للمشهد الجميل الذي لم تشهده السفينة من قبل، او هكذا قال لنا بحّار عجوز افنى عمره يعمل فيها …
ساعات وكانت السفينة تمخر في عباب البحر، اذ راحت تصعد وتهبط مع الامواج العالية، وقيل لنا ان هذا امر طبيعي، ترونه مخيفا كونكم لم تعتادوا ركوب البحار .. مرّت ليالي ونهارات ونحن محكومون بأمل الوصول، بعد ان انقطعت بنا السبل ومكثنا ننتظر الخلاص الذي رأيناه في هذه السفينة التي ستعود بنا الى ديارنا ..
في الليل وبعد ان يعض الظلام على الافاق ويحيلها الى سواد مخيف وسط تلك الصحراء المائية الهائلة، كانت تتسلل الينا اخبار مخيفة عن خلافات في غرفة القيادة بين ربّان وآخر او بين البحّارة الاخرين، لكن تطمينات تأتينا، مفادها ان السفينة بالإتجاه الصحيح، الاّ ان القلق اخذ يتسرب من بين اجفاننا ليعاند النعاس ويتحول الى صور مخيفة تسكن احلامنا، فتحيلها الى كوابيس ..
كانت رحلة شاقة وطويلة ارهقت الجميع، لكن طيف الوصول يزرع في النفوس شيئا من الفرح ويلوّن احلامنا التي تكدرها بين الحين والاخر أخبار عن خلاف جديد دبٌّ بين ربّان السفينة وربّان منافس، لكن يبدو لنا أو يقال لنا باستمرار ان السفينة متجهة الى هدفها، وان خلافات الربّان لا تغير من وجهتها، او هذا ما ظل يردده رجل كبير ليطمئننا ويبث الهدوء في نفوسنا من دون ان يستطيع اخفاء آثار الخيبة التي صارت تطبق على بصمات وجهه، بعد ان كان اكثرنا مرحا واشدّنا توقا للوصول …
حين توقفت السفينة وسط البحر، بدا لنا الصباح ضبابيا عاصفا، فايقنا اننا سلكنا الطريق الخطأ وتهنا وسط تلك الصحراء الهائلة وربما بتنا في ايدي القراصنة، لكن البعض منا كان يقول ان الذين توزعوا اماكن السفينة ليسوا قراصنة، مؤكدين ما قاله الرجل الذي كان بجانبي والذي كان اول من نطق … ليسوا قراصنة !!
حاولنا ان نعرف في ايّ مكان من البحر نحن، لكن من دون جدوى، فأصوات المسلحين وتعدد لغاتهم جعلتنا حائرين … والسؤال الذي ظل يسكن رؤوسنا جميعا … كيف حصل هذا ومن جعل السفينة تقع في ايدي هؤلاء ؟!
لقد تجمعنا قبل سنين في الجزيرة شبه المقفرة تباعا، بعد ان تعطلت ببعضنا سفن سابقة في عرض البحار وانتشلت من فيها سفن اخرى، لتلقي بهم في تلك الجزيرة النائية على ان يتدبروا امرهم لاحقا، فيما قال آخرون ان قراصنة سرقوا سفنهم قبل اعوام وتركوهم عند هذه الجزيرة، وروى اخرون ايضا روايات مشابهة، تحكي كلها قصة تيه، جمع هؤلاء عند هذه الجزيرة وجعل منهم الخوف من القادم اشبه بالأخوة يجمعهم همّ العودة الى ديارهم، حتى وصلوا اخيرا الى من يأتيهم بسفينة توصلهم الى مكان قريب من اهاليهم ليكملوا المسير ..
بعد ايام طويلة لم نتذكر عددها بالضبط .. افرغت السفينة تقريبا من مؤونتها ولم يبق فيها الاّ القليل .. غادر المسلحون ولم نعد نسمع قعقعة سلاحهم ولا اصواتهم التي تداخلت فيها لغات عدة وبتنا في حيرة من توصيفهم .. كان الصمت قد اطبق على داخل السفينة والاجساد التي انهكها الخوف والجوع والاحباط صارت تتكئ على بعضها وكثيرون ناموا يحتضنون كوابيسهم التي تظهر على شكل صيحات غير مفهومة او آهات طويلة او شخير عال، فيما كان هناك من بقوا يقظين يتطلعون الى اماكن المسلحين الخالية والى الاجساد المتهالكة الممددة في بطن هذا الحوت الكبير الرابض على جرف بحر لانعرف كيف وصلناه .. لقد غادر جميع الغرباء واخذوا معهم الربّان جميعا ولم يعد معنا من يقود السفينة … خرجنا، نحن ثلاثة شبان ورجل ستيني قوي البنية .. خرجنا نستطلع خارج السفينة لنتأكد اكثر .. كان الساحل ينفتح على سلسلة تلال صغيرة يغطيها بعض العشب وقليل من الاشجار قيما كان الصمت يمتد مع الفراع الذي امامنا .. وحين اقتربنا من مكان قيادة السفينة وجدنا بقايا خمر في قنان كبيرة وصغيرة وعلبا فيها اوراق لعب ودفاتر صغيرة مرمية قربها (كتلوكات) واشياء اخرى لم نعرفها .. قال الرجل الستيني ان هذه تحمل خرائط البحار ويمكن ان تعيننا في المسير، وراح يتجول في المكان .. كان هناك رجل كبير شهد الواقعة عن قرب، وبدت على وجهه آثار كدمات وملابس شبه ممزقة، وعلى ما يبدو انه لم يخرج من المعركة بأكثر من جسده المحطم ..
حاولنا ان نفهم منه حقيقة ما جرى، لكنه ظل يلوذ بالصمت فيزيد من حيرتنا، ويزيد من فضولنا للمعرفة، كان يدرك ان لاجدوى من كل الاسئلة لأنه لايمتلك اجابات شافية عنها، او هذا ما افصح عنه لنا بجملة مقتضبة .. اخذنا نتلفت لبعضنا قبل ان ينطق الرجل الستيني؛ ان علينا ان نصل جميعا لأهلنا .. نهض الرجل الكبير متحاملا على اوجاعه وكنا نسير وراءه حتى وصل الى قمرة القيادة، وجدنا دماء مسفوحة وآثار لمعركة يبدو انها كانت عنيفة ووجدنا ان بعض اجهزة السفينة قد تعطلت … لم نعرف بعد هل المعركة كانت بين الربّان المتنافسين على القيادة ام بينهم وبين قراصنة او غير ذلك … وايضا لم يعطنا الرجل الكبير اية اجابة وظل مصرا على الصمت … كان علينا ان نواصل المسير وان نزود السفينة وركابها بكل اسباب الوصول .. وكان علينا ان نكون في قمرة القيادة لكي نصل اهلنا … مع فجر اليوم التالي كانت السفينة تمخر عباب البحر .. وقد امسك الرجل الستيني بالخرائط، فيما كنا، نحن الشباب نجاهد بسفينتنا الامواج العاتية في طريقنا .. الى اهلنا !!



