كادوا يقولون “لأجلكم نُطبّع”

بقلم/ آسيا العتروس..
إذا لم يكن التطبيع خيانة للقضية الفلسطينية كما صرّح بذلك وزير الخارجية التركي داوود أوغلو، فلماذا لم تساعد العلاقات التركية الاسرائيلية وهي الأهم بين بلد اسلامي وسلطة الاحتلال منذ نشأة هذا الكيان في تغيير عقلية اسرائيل ودفعها الى القبول بالشرعية الدولية واقامة الدولة الفلسطينية على حدود الـ67؟ ولماذا لم يرتبط خيار التطبيع من البداية بشروط تربط التقدم باتجاه التطبيع باحترام هذا الحق الفلسطيني المشروع الذي يجمع حوله كل العالم؟ الحقيقة أن في تصريحات المسؤول التركي في هذه المرحلة ما لا يمكن أن يخدم الفلسطينيين ولكنه يخدم حتما مشاريع الاحتلال … وربما يكون أحرى بمن اختار مسار التطبيع وهو حر في ذلك إلا يبحث عن مبررات وهمية وألا يسوق لمثل هذا الخيار بخدمة الشعب الفلسطيني الذي نستشعر احساسه بالمرارة والخيبة بأن تتحول قضيته للمتاجرة العلنية ولسان من يقودونها يرددون نحن نطبّع لأجلكم… ولكنهم لا يحركون ساكنا إزاء كل ما يحدث من مشاريع استيطانية توسعية ومن جرائم قتل وتهجير وتدنيس للمقدسات وتدمير للأجيال والتلذذ بموت الضحايا، والحديث بالتأكيد عن دور قوات الاحتلال المتصهين التي تجاوزت كل الخطوط الحمر منذ زمن لم يعد بالقريب في تعاطيها مع شعب يواجه سياسة الموت البطيء والتصفية العرقية، مستفيدة من كل القوانين والقرارات الاممية والاتفاقات الدولية الفاقدة الصلاحية والتي لم تساعد يوما في منع أو ايقاف أو الحد من جرائم الاحتلال … وكل المبررات مطلوبة لإطلاق الرصاص واستهداف الضحايا من الشباب … في غزة جيل مبتور الاعضاء وفي الضفة جيل يقصف في كل حين .. والمشهد بات يوميا وقائمة ضحايا جنون الاحتلال المنفلت وحدها تشهد على تمدد الحصيلة.. في غمرة انصراف الأنظار إلى فتوحات المونديال وحماسة المتتبعين من الاجيال العربية التي لم تعرف النكبة ولا النكسة مع القضية الفلسطينية واصرارها على رفع الراية الفلسطينية وكأن فلسطين البلد الثالث والثلاثين في هذه دورة قطر لكأس العالم، وفي غمرة اخبار الحرب في أوكرانيا وانسياق مجموعة السبع إلى بحث تحديد سقف محدد لسعر النفط الروسي ولكن ايضا في غمرة مشاورات الحلفاء الكبار واشنطن وباريس خلال زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى أمريكا في غمرة هذه العناوين العريضة ولكن غيرها ايضا من العناوين التي قد تبدو عرضية لم تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن حصد الارواح واستهداف الفلسطينيين وتعمد اصابتهم في الصدر والرأس بما ينتج عنه الموت بالتأكيد، في سيناريو شبيه لما حدث مع شهيدة الكلمة شيرين أبو عاقلة قبل اشهر في مخيم جنين تم اغتيال شاب فلسطيني بدم بارد في عملية اعدام على الملأ تابع العالم أطوارها في اللحظات الاولى قبل أن يتم حجب الفيديو من المواقع الفضائية وايقافه تداوله كوثيقة ادانة ضد قوات الاحتلال تضاف إلى كل الجرائم الفاشية البشعة … آخر ضحايا الاحتلال وهو الشهيد عمار حمدي يبلغ عمره اثنين وعشرين عاما استهدف بالرصاص من مسافة صفر في نابلس بما ومنع من الحصول على الاسعافات وظل ينزف إلى أن لفظ انفاسه وهو يؤكد اصرار الاحتلال على القتل والاصرار بشكل خاص على استهداف هذا الجيل من الشباب بما يعكس عقلية الجيش الاحتلال الذي يدعي أنه الأكثر احتراما للمواثيق الاخلاقية العسكرية ولكنه في الحقيقة يمارس كل انواع الفاشية والعنصرية البغيضة، مستفيدا من ورقة الضحية التي يتستر بها لارتكاب جرائمه ومعها مواصلة لعبة الابتزاز لعقدة الذنب الاوروبية التي كانت وتزال تمنح الاحتلال الحصانة غير الشرعية وتطلق يديه لاقتراف المزيد في حق شعب أعزل يعدم أطفاله وشبابه على الملأ.
نعم في زمن التكنولوجيا الحديثة وثقافة الموبايل لم يعد بإمكان العالم انكار الجرائم البشعة التي يوثقها الشباب الفلسطيني كلما تعلق الامر باقتحام المخيمات والبيوت والمساجد وقتل الشباب وهي شهادات برغم محاولات مصادرتها والقضاء عليها في المهد تظل شاهدا على هذه العقلية المازوشية التي تتلذذ بقتل الابرياء والتنكيل بهم بمنع الاسعاف من الوصول إليهم وهي جريمة اضافية في اتفاقيات جنيف الدولية …
ما يحدث في هذه المرحلة مقدمة لما ستكون عليه حكومة ناتنياهو التي تعود إلى الحكم وتستعد لمزيد من الخيارات الانتقامية ضد الفلسطينيين الذين سيتعين عليهم التدثر بدعوات الاتحاد الأوروبي ومعها واشنطن الخجولة بتجنب مزيد من العنف وهي حكومة تستند أكثر من أي وقت مضى الى رأي عام اسرائيلي يتجه نحو التطرف والترهيب وقد بدأ بن غفير الذي يمني نفسه بحقيبة الداخلية في حكومة نتنياهو يطلق خياراته بأطلاق العنان للمستوطنات ايذانا بفرض اليد على ما بقي من الارض ولكن ايضا الى اطلاق الرصاص الحي على كل من يلقي بالحجارة على الاسرائيليين، فبن غفير هو عنوان للفاشيين الاكثر تطرفا وهو من اتباع فكر كاهانا وربما ما يختلف فيه عن غيره من زعامات اسرائيلي الذين يسوقون لصورة الحمل الوديع أنه يصدع على عكسهم بما يفكر فيه …هو لم يخفِ يوما اعجابه بالإرهابي باروخ غولدشتاين الذي قتل 29 مصليا فلسطينيا في المسجد الإبراهيمي في الخليل عام 1994…خلاصة القول في خضم هذا النزيف الدموي ومطالب رفع العتب بالتحقيق في قتل اسرائيل عدد من الفلسطينيين في الساعات القليلة الماضية …وفي خضم الفتوى الجديدة الصادرة عن الباب العالي في انقرة بعد أن قرر وزير الخارجية التركي أن التطبيع ليست خيانة للقضية الفلسطينية تكون الرسالة قد وصلت وسيكون فريق ناتنياهو سعيدا بهذا الاعلان وهو الذي لا يخفي تطلعه الى تنشيط قطار التطبيع لمواصلة فتوحاته القادمة ودعس من يمكن ان يقفوا أمام ذلك … لولا بقية من حياء لخرج المطبعون يقولون “لأجلكم نُطبّع”.



