اخر الأخبارثقافية

“حبر يقايض زرقته” بلاغة شعرية عميقة المضمون وجزيلة المعنى

 

المراقب العراقي / المحرر الثقافي…

يرى الناقد يوسف عبود جويعد أن مجموعة  “حبر يقايض زرقته” للشاعر حيدر الناصري هي شذرات من بلاغة المعنى وهي لغة بلاغية شعرية مكثفة ومختلفة وقصيرة، وتصل أحياناً الى ثلاث كلمات، إلا أنها عميقة المضمون وجزيلة المعنى.

وقال جويعد في دراسة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: في مجموعة النصوص (حبرٌ يقايضُ زرقته) يقدم لنا القاص حيدر الناصري، نمطاً من الأنماط الشعرية النادرة والمهمة، وهي الشذرات، وهي لغة بلاغية شعرية مكثفة ومختلفة وقصيرة، وتصل أحياناً الى ثلاث كلمات، إلا أنها عميقة المضمون وجزيلة المعنى، يسبر أغوارها حكم ومواعظ وقدرة على التعبير بأقصر رؤية ممكنة، عما يريد إيصاله الكاتب إلى القارئ، ومعنى الشذرات في قاموس عربي عربي هي: “الشَّذْر: قِطَعٌ من الذهب يُلْقَطُ من المعْدِن من غير إِذابة الحجارة، ومما يصاغ من الذهب فرائد يفصل بها اللؤلؤ والجوهر.

وأضاف : أن الشَّذْرُ أَيضاً: صغار اللؤلؤ، شبهها بالشذر لبياضها”. ويمكن لهذه الشذرات السياحة بكل حرية في مجالات الحياة وجوانبها المختلفة والمتنوعة والتعبير عنها مثل:الحب، الفراق، الحزن، الفرح، نبذ القبح، وإظهار معالم الجمال، وتقدم في رؤيتها الفنية وسياقها إلى نقل صورة تعبيرية تصل رغم قصرها واختزالها وتكثيفها إلى قصيدة متكاملة البناء، ويقول عنها المؤلف في الاستهلال الذي يعد عتبة نصية موازية لتعريف الشذرات:

وتابع: أنَّ الكتابة الشذرية أن تجرّد غلّة شجرة ضخمة، كي تقطر منها شرابا، بالكاد يملأ دورقاً صغيراً جداً.وهو تعريف يوضح بشكل جلي أهمية الشذرات كنمط من الأنماط الادبية المختلفة والمختزلة والبلاغية ويقول أيضاً:ولكي يثبت المؤلف إلمامه التام بهذا النمط من الكتابات الأدبية، قسم كتابه هذه الى أبواب، وكل باب ندلف فيه يشير إلى جانب من جوانب الحياة، يقدم من خلاله عدداً من الشذرات تدخل ضمن موضوع الباب ومدخله ومفهومه ومغزاه ومبتغاه، وهذا دليل على إمكانية المطاولة وتقديم اكثر من شذرة لموضوع وثيمة وشكل ومضمون واحد، وهي مهمة ليست بيسيرة، بل إنها تحتاج الى جهد فني وفكري، ووعي عال، وكذلك تحتاج الى البحث المضني عن مكنونات اللغة واستخراج بلاغتها ومعانيها، بشكل مقتضب وجزيل.

واوضح : أنه يجب على كاتب الشذرات أن يغوص ويسبح الى الاعماق ليستخرج الدرر والنفائس من اللغة البلاغية ليصوغها في تلك الشذرات، حتى تخرج الى القارئ بشكل مغاير، ويختلف عن الانماط الشعرية الأخرى، ليعطيها هويتها واسلوب كتابتها، وهذه الأبواب هي:باب التعاريف، باب الاسئلة، باب أنا، باب أنتِ، هي، باب ربّما، باب لأنّ، باب الماء، باب الأشجار، باب الصحراء، باب الأحجار، باب المنازل، باب الشمس، والقمر، والليل، باب:الأوثان، طواغيت، باب الحروب، باب الموت، باب الأسى، باب الزمن، العمر، باب مهمشة، باب الرب، باب البهجة، باب الألحان، باب المسرح، باب الكتابة، باب البازارات، باب غير معرفة، باب الجنوب وابنته الناصرية.

ومن باب التعاريف نختار جزءاً يسيراً من الشذرات التي تصب في موضوع التعاريف، والتي قدمها المؤلف برؤية فنية وبلاغية عالية:• العمر: سيجارة، الرماد: السنين• العمر: قارب صيد صغير، أفلتت من شباكه السّنين.• المعنى: عربة، تجرّها خيول اللغة ومن باب الأسئلة نبحر بتساؤلات كبيرة وكثيرة وعميقة تحمل بلاغة لغوية عالية، نختار منها:• لا تلق دلوَ السؤال، في بئر الإجابة المعطلة.• أين مخبوء أيها النغم:بين أنامل العازف، أم في طيات كراريس النّوت، أم معلق في أوتار الكمان، أم أنتَ روحٌ لائذةٌ وراء حجبِ السكون، تحضر متى تجلى لكَ نقاءُ العازف! ومن باب : أنتِ، هي، وتلك الشذرات تتناول العلاقة الإنسانية بين المرأة والرجل، والعاطفة الإنسانية الخالدة:• أرمّم أفراحي الجديدة بصوركِ العتيقة.

وواصل :ومن باب ربّما نختار نماذج:• ربما كانَ العمرُ سراجاً أيضاً، ينضب زيتُ الأيام فتذوي ذبالة السّنين• رُبّما كان هذا الوجود “بروفة” لعمل درامي كبير.• ربّما يدّخرون دموعهم لمناحة عظيمة، أولئك الذين عهدناهم لا يبكون، ولا ينتاب الأسى وجوههم.ومن باب لأن نختار:• لأن السواقي، جراحٌ في جسد النهر، صارت حقول الكروم حمراء قانية.• لأن الأشجار راسخة، تودعُ شغفها بالارتحال على أجنحة الطيور.• لأن الليلة أنثى، يلفنا في أحضانها الحنان.• لأنَّ الأسى توطّنَ فينا، نبلل أفراحنا بالدموع.ومن باب الماء، نطوف محلقين بهذه الثيمة وموضوعتها، باحثين فيها عن بلاغة الشذرات وقدرتها على التعبير العميق:• كي لا تمل من الانتظار، تربت الأمواج على أكتاف المرافئ.• في أكثر الحالات يظن القباطنة أنّ مراكبهم تؤنس البحر، وتنسيه وحدته.• كلما انتحر البحّارة، رأينا حيتاناً ميتة على حصى الشواطئ.• عند حواف البحر، خلعت السواقي ثيابها المترفة.

وختم :وهكذا نمضي محلقين ننتقل من باب الى باب آخر، نتابع فيها نفائس المعاني، ودرر البلاغة، ونقف مع قوة معانيها، وشدة اختزالها، وهي تعبر عن مكنونات نفوسنا، وتطيب خواطرنا، وتسر نفوسنا، لما تحمل فيها من مشاعر بالغة الحساسية، وبلاغة طاغية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى