اخر الأخبارثقافية

صباح الأنباري يكتب عن مسرحيات “طائر الظلام”.. من الواقع الافتراضي المُتخيَّل إلى الواقع المُعاش

 

ثلاث مسرحيات للكاتب المسرحي العربي “عبد الفتاح رواس قلعه جي” (طائر الظلام) استلهم موادها من الأسطورة انطلاقاً، ومن الواقع الراهن غاية.

وطائر الظلام ليست عنونة شاملة عامة، ولا معبرة عن أجواء وموضوعات نصوص المجموعة الثلاث. كل ما في الأمر أن القلعة جي اختارها من النص الثالث الموسوم بالعنونة نفسها جاعلاً منها عنونة للمجموعة كلّها على الرغم مما بينها من العوامل المشتركة، واشتغالها على الأساطير قاعدة، وعلى مادتها الأولية مستنداً، وارتكازها على مجريات الحاضر غاية.

ولغاية في ذاته كتب مقدمة لهذه النصوص الثلاث بيّن فيها، باختصار شديد، أفكارها وما ترمي إليه من الأهداف فكانت في الأولى محددة في أمل الإنسان بالعبور الى “حياة أفضل” وتمحورت حول الحكايات السبع لسبع شخصيات تاريخية وواقعية. وكانت في الثانية محددة ببيان الصراع الأزلي بين (الإنسان وأخيه الإنسان وما ينجم عن ذلك من كوارث وتدمير للذات والحياة) وكانت في الثالثة محددة في تعرية الشخصيات الحاكمة الجائرة الظالمة التي عشعش في أذهانهم وذواتهم الظلم والظلام أو كما تعرّفه أسطورة ما بين النهرين (طائر الزو). ويختم مقدمته بتأكيد ما قاله هيرودوتس في مسرحية (طائر الظلام):

كل شيء هباء

كل شيء عبث

إنها البشرية النازفة أبداً

ووجدنا من الجدير بمكان الرجوع الى الأسطورة لمعرفة ما يعنيه طائر الزو، ووجدنا انه من قوى العالم السفلي التي تتمتع بقوة تدميرية هائلة وهو كائن بهيأة نسر ووجه أسد، وهو سارق الواح القدر السحرية من الإله أنليل التي تمنح مالكها القوة المطلقة والسيطرة التامة على الناس، وحتى على الآلهة العظام. وربما بسبب ما يلحقه من الظلم والظلام والسطوة، وما يثيره من خراب ودمار في الوجود استوحى القلعة جي عنوان مجموعته المسرحية لاتصاف بعض شخوصها بصفات الزو نفسها أو الشبيهة بها. ولما كانت أغلب هذه السمات غالبة على نصوص المجموعة لذا متح العنوان نفسه منها ليصير دالا عليها وبهذا تميز على العنوانين السابقين له: (المركب والمعبر) و(أوزوريس يعود ولا يعود) هذا فضلا عن أنها كتبت في فترة واحدة وبحجم يكاد أن يكون واحدا، ولا يزيد عن الثلاثين صفحة وكما يأتي:

وينقسم النص الأول (المركب والمعبر) على قسمين تحت مسمى واحد هو العبور: العبور الأول والعبور الثاني، وهما بمثابة مشهدين أو بالأحرى فصلين من فصول المسرحية. منحهما المؤلف هذه التسمية كعنونة تعكس دور كل منهما في بلورة موضوعة المسرحية، وحيثياتها، ورصدها للوقائع والأحداث التي تقع أمام سور المدينة الذي يتسنّمه (القاضي) كما لو كان في محكمة تقرر من يستحق الدخول ومن لا يستحق.

ومن سياق الأحداث نعرف أنها مدينة آمنة (لا يدخلها شخص مع سلاحه) وفاضلة تمنع دخول الممنوعات إليها. يعيش أهلها بسلام ووئام ويحظون بسعادة غامرة، وعيش إنساني رغيد. وجميع سكانها من الأخيار فهي مدينة مثالية فاضلة يسعى إليها كلّ من فقد أو استلبت كرامته وإنسانيته ولم يحظ بالحياة التي يستحقها. وعليه يحدد المؤلف نوعية البشر من طالبي اللجوء ويختار أغلبهم من الشعراء مثل الحلاج، الشنفرى، قيس بن الملوح، زهير بن أبي سلمى وهم جميعا شخصيات تاريخية يضيف إليهم شخوصا من الواقع مثل الأم وولديها والفتاة عاشقة الموسيقى (أورنينا) وقد جاء هذا الاختيار بدافع الربط بين الماضي الافتراضي (التاريخ) والحاضر القائم (الواقع) المعاش.

لقد وسمتُ الماضي بكونه افتراضياً وسبب هذا أن المؤلف جاء بقيس بن الملوح على سبيل المثال وافترض قصة له ليست مرتبطة بما شاع عنه من القصص والحكايات الشائعة ربطها برؤيته الخاصة لشخصية قيس الحقيقية يقول المؤلف على لسان بن الملوح:

الناس هم الذين اخترعوني واخترعوا قصتي فوُلِدت وكبرت

وبالنظر لما حدث له وافق القاضي على استلام ملفه الى حين يقضي قاضي القضاة بفتح المعبر له ليدخل المدينة. وسار المؤلف على طريق الافتراضية مع القصص (الدعوات والقضايا) الأخرى ففي قصة زهير بن أبي سلمى جعل المؤلف زهيرا يرى العجب من شأن البشر وما يحدث لهم في الشرق والغرب، في مجتمعات الشقر والسمر والسود والفقر المدقع والغنى الفاحش، والشبع، والتخمة، والاقتتال. وهذه الرحلة في مركب اورشنوبي الأسطوري رحلة افترضها المؤلف وعززتها موضوعة المسرحية ولم يرد ذكرها في كتب التاريخ أو السير الذاتية. وهكذا الحال مع بقية القصص،

وهذا يعني أن المؤلف لم ينقل لنا سطوراً معروفة من تاريخ الشخوص أو نسخاً من سيرهم الذاتية، بل أراد ابتكار غيرها مما يصلح لنصه المسرحي كقيمة إبداعية ابتكارية دون محو سماتها التاريخية. وعود على بدء لا بد من الإشارة الى أن المؤلف استخدم الأناشيد الواردة على لسان الجوقة في (العبور الأول) بما يشبه الطقس كما استخدمها على لسان أورشنوبي في مستهل (العبور الثاني) وهما ممهدان أوليان للدخول الى أجواء المسرحية منحت القارئ/ المشاهد حالة من الاستعداد النفسي والروحي للدخول الى موضوعة المسرحية المرتبطة بالأساطير والتاريخ من جهة، وبالواقع المعاش من جهة أخرى. إن وجود المدينة الفاضلة المسورة بسور ضخم، والمفصولة عن العالم الواقعي بمعبر لا يفتح إلا بأمر قاضي القضاة يدل على مدى تردي الوضع البشري المنهك بالحروب والاقتتال والاستغلال والاحتلال والجشع والطمع، والشره، والتسلط، والاستعلاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى