فيلم “توب غان.. مافريك”.. التحليق في الأوهام الأمريكية

المراقب العراقي/ متابعة…
يروي فيلم “توب غان.. مافريك”، لجوزف كوزينسكي قصة الطيار بيت “مافريك” ميتشل (توم كروز)، الذي أفنى عمره في خدمة القوات الجوية الأمريكية، ونجح في تنفيذ مهمّات عدّة. مع هذا، لم تتمّ ترقيته بسبب تهوّره وسلوكه وطيشه، وهناك من حاول تسريحه مرّات كثيرة بشكل غير مُشرّف نتيجة هذا السلوك، لكنْ هناك دائماً من يحميه، صديقه توم (فال كيلمر)، الذي أصبح أميرالاً، مُرتكزاً على الماضي اللامع، المُتشكّل في تخرّجه من دفعة الأسلحة القتالية، التي يُسمّيها الطيّارون “توب غان”، والتي أسّستها البحرية الأمريكية عام 1969، كما يُذكر في بداية الفيلم، وتضمّ واحداً بالمئة من أفضل الطيارين، لتدريبهم على فنّ القتال الجوي.
لم تخرج قصّة “توب غان” من القالب الكلاسيكي المعتاد، الذي يصوّر الجيش الأمريكي حامياً للبشرية من الأخطار الخارجية، والفضائية أيضاً وهي حالة تؤكد ان امريكا مازالت تعيش وهم السيطرة على العالم. هناك دائماً بطل جاهز، مُستعد دائماً للمجازفة بحياته، للعب دور البطل الخارق الذي يملك المؤهّلات كلّها التي زرعتها فيه المؤسّسة الأمريكية. حتّى السيناريو، الذي كتبه إيرين كروغر وإيريك وارّن سينغر وكريستوفر ماك كوري (عن قصة لبيتر كريغ وجاستن ماركس، بناءً على شخصيات ابتكرها جيم كاش وجاك أبس جونيور)، جافٌ بلا روح، لا يُقدّم صُوراً جديدة أو مبتكرة، بل مَشاهد غير أصيلة، لا إبهار فيها ولا تجديد. إنّها إعادة سمجة لمَشاهد مُتفرّقة من أفلام أخرى.
توم كروز نفسه لم يتخلّ عن ثوبه القديم، الذي ارتداه في معظم أفلامه: الذاهب إلى مجازفةٍ تحبس الأنفاس، والمحارب دائماً ضد قوى الشر، التي لا تريد انتصار الخير، كما في هذا الفيلم، الذي يُنقذ فيه البشرية من خطر التسلّح النووي. حتّى صيغة بناء السيناريو لم تُقدّم جديداً، وكالعادة دائماً، هناك شخصية ثانوية تُنافس شخصية أخرى، وللبطل سوء فهم لحادثة مهنية في الماضي، وفي الوقت نفسه لديه علاقة مشوّشة مع فتاة، تخلّى عنها من أجل مهنته. طائشٌ، لكنّه يؤدّي عمله على أكمل وجه. عجوزٌ، وفي المقابل يتجاوز الشباب مهارةً. لديه جاكيت جلدي، ويحبّ الدرّاجات النارية بدلاً من السيارات. تحاصره المشاكل، لكنّه ينتصر في النهاية، وتنتصر معه البشرية، فالخير يبقى دائماً، وهذا الخير يأتي به الجيش الأمريكي، الذي يحمي الكوكب من الأعداء والمارقين.
العناصر الفنية، التي تشكَّل منها السيناريو لم تخرج من تراتبية التقديم والعرض والعقدة والحبكة والذروة والنهاية. كأنّ كتّابه أرادوا شبّاك التذاكر فقط، ولم يهتّموا بالتفاصيل الروحية التي تسمو بالعمل، ولم يعطوا للقالب الفني المُغاير مساحة يستحقها. آثروا بناء الفيلم انطلاقاً من الجانب العلمي، الذي يوفّر الإثارة والتشويق، ويُهيمن على المُشاهد، ويرفع الإيرادات، بينما أُهمِلَت روح التجديد، وتقديم الإضافة التي من شأنها الحفاظ على تماسك السينما مُستقبلاً. بالتالي، حقّقوا انتصارات آنيّة، عكسها شبّاك التذاكر، على حساب سينمائيّة الفيلم وفنّيته.
طرح “توب غان: مافريك” أسئلة سياسية مهمّة عمّا يمرّ به العالم حالياً، وأسئلة هامشية مطروحة أيضاً، بشكل غير مباشر: ضرورة وضع برامج مختلفة لتطوير المنظومة الدفاعية والهجومية، مع التحذير من أنّ الغلبة، في المستقبل، ستكون لمن يملك التكنولوجيا المتطوّرة والتدريب الجيّد، لتحقيق التوازن الدفاعي والهجومي، لحماية المصالح الأمريكية عامة. هذا يخدم الوجه العسكري للولايات المتحدة الأمريكية وأوهامها في السيطرة على العالم.



