اخر الأخبارثقافية

محمد علي شمس الدين .. مؤرشف مأساة الجنوب في مواجهة الصهاينة

 

 

المراقب العراقي / المحرر الثقافي..

رحل أمس الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين، عن عمر ناهز الـ 80 عاماً، بعد وعكة صحية ألمت به في الأيام الأخيرة. وثبت خبر الرحيل بعد أن نعته ابنته رباب على صفحته في الفيسبوك. وبرحيله تفقد القصيدة العربية المعاصرة، واحداً من أقوى أصواتها وأخصبها جمالاً وتجديداً في العقود الأربعة الأخيرة.

من جهته، قال رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب علي الفواز في تصريح خصَّ به “المراقب العراقي”: إن رحيل الشاعر محمد علي شمس الدين، يشبه رحيل طائرٍ طالما أشبع المكانَ بصوتهِ الشجي، وببهاءِ وجوده اللامع. هذا التلاقي ما بين الطائر والشاعر، يمنح اللغةَ مساحةً لتبادل الاستعارات والاقنعة وحتى الثياب، إذ يتساكنان معاً عند رغبة الطيران.

وأضاف: إن رحيل الحالم شمس الدين يترك الوجعَ الكبير، لأنه افقدنا بطلاً شعرياً، له سحر الأساطير، والحكايات، وحميمية الجنوبي الذي يدرك فروسية اللغة، وعلاقة “الجنوبيات” الشعرية بالثورة، إذ كان يُفكّر بحرية هذا الجنوبي الصادح، والحسيني، والشغوف، والأنيق، يواجه رعب الاستبداد الثقافي بقوة العارف والرائي، فهو يجد في اللغة “السكن”، والقصيدة “الجناح” خياراً يتسع دائما، ورهاناً على أنّ العالم يرممه الشعراء، الذين يواجهون الطرد السياسي بالحضور الشعري، والخزن التاريخي بتعرية الرؤيا، وهي تفتح لنا المزيد من النوافذ، وتعيدنا الى حكاية الطائر الذي كان يتشهى الغابة، لكنه لن ينأى بنفسه عن النوافذ العائلية.

وقد احتشدت مواقع التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر وغيرهما، بأخبار نعيه ومقاطع من شعره وصوره الشخصية، التي يجلل بريق عينيه الزرقاوين، مثلما استذكره أصدقاؤه وقراؤه بتأثر بالغ.

كتب الشاعر شوقي بزيع: سقط محمد علي شمس الدين، لا كما تسقط الأوراق عن فروع صيفها الآفل أو كما تسقط فكرة نافلة من عتمة الذاكرة، بل كما تسقط المدن والنيازك وأبطال الملاحم القديمة. ومع أن جسده قد بدأ بخذلانه منذ زمن طويل، إلا أنه بكبريائه المعهودة، لم يسمح للموت بأن يقوده ساعة يشاء الى حتفه النهائي، بل أمسك هو نفسه بزمام المبادرة. وفي الموعد القياميّ المضروب لسقوط الأبراج، حيث كان قمر الجنوب في ذروة اكتماله، قرر محمد علي أن يعقد مع الموت صفقة بالتراضي، تنازل من خلالها لهذا الأخير عن جسده الترابي، فيما الشعلة التي رفعتها قصائده فوق أعلى القمم، ستظل أبد الدهر، عصية على الانطفاء.

وقال الشاعر موسى حوامدة: «موجع ومربك هذا الرحيل، فالشاعر العربي محمد علي شمس الدين كان شاعراً وصديقاً ومقاوماً. ظل ملتزماً بروح المقاومة دون أن يقدمها على حساب الشعرية وجمالية الكتابة وإتقان اللغة العربية، بل التميز في فك أسرارها وإجادة العزف على مفرداتها.. موجع هذا الرحيل يا أبا علي وسط هذه الانهيارات العربية السياسية والثقافية والأخلاقية، وقد بقيت واحداً من ألمع شعراء العربية ومناضليها وفرسانها وعشاقها».

وكتبت الشاعرة ربيعة جلطي: شكراً للجنوب اللبناني الذي سقى أرض الشعر العربي والعالمي بجداوله السخية، ومنها الصديق العزيز الشاعر محمد علي شمس الدين. كان مبدعاً مبهراً ومحدّثاً حكيماً. 

ولد الراحل (1942- 2022) في جبل عامل جنوب لبنان، ونشأ في عربصاليم، بعدما انتقل إليها برفقة أسرته من قرية بيت ياحون في بنت جبيل. درس شمس الدين في بيروت وحاز إجازة الحقوق في الجامعة اللبنانية عام 1963، ثم شهادة دكتوراه دولة في التاريخ في الجامعة نفسها.

ارتبط اسمه بشعراء الجنوب اللبناني من أمثال: حسن عبد الله، وشوقي بزيع، وإلياس لحود، وجودت فخر الدين، وقد عبّروا جميعهم عن مأساة الجنوب في مواجهة العدوان الصهيوني. وخلّد محمد علي شمس الدين أحد عناوين المأساة في قصيدة «إذا عبروا» التي غنّاها أحمد قعبور. وقد تفرد بينهم بأسلوبه الخاص الذي يمزج بين الغنائي والميتافيزيقي والعرفاني، منفتحا على رموز التاريخ العربي والإسلامي، بوعي نقدي تأملي ولغة بسيطة وطافحة بالصور والمعاني، التي يرفدها من رؤيته الصوفية الشاملة للعالم في كُلّيته واصطخابه، عابراً بين أشكال الإيقاع المعروفة (العمودي، التفعيلي، النثري) بسلاسة كبيرة. وهو ما يعكس ثراء التجربة الشعرية في مختلف أطوارها المتنوعة، التي كرمتها جائزة العويس عام 2011، كما يعكس وجهاً مشرقاً في خريطة الشعر العربي المعاصر برغم أزمة التلقي التي يعيشها.

صدرت باكورته الشعرية «قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا» عام 1975، ثم تلتها «غيم لأحلام الملك المخلوع» (1977)، و«أناديك يا ملكي وحبيبي» (1979) و«الشوكة البنفسجيّة» (1981) و«طيور إلى الشمس المرة» (1988) و«أما آن للرقص أن ينتهي؟» (1992) و«يحرث في الآبار» (1997) و«منازل النرد» (1999) و«ممالك عالية» (2003) و«شيرازيات» (2005) و«اليأس من الوردة» (2009) و«ينام على الشجر الأخضر الطير» (2012) و«النّازلونَ على الريح» (2013) و«كرسيٌّ على الزبد» (2018) و«للصبابة للبلبل وللملكوت» (2021). كما كتب للأطفال مجموعة شعرية «غنوا غنوا»، وقصصاً في «كنز في الصحراء» عام (1983)، وسيرته الذاتية «كتاب الطواف» (1987). وقد ترجمت أشعاره إلى أكثر من لغة، بما فيها الإسبانية والفرنسية والإنكليزية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى