اخر الأخباراوراق المراقب

الحق في العيش الكريم

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني..

يعد الحق في العيش الكريم، واحداً من الحقوق الأساسية التي لا غنى عنها، وهو حق ثابت للجميع سواءً ورد النص عليه في القوانين أم لا، لارتباطه المباشر بالكرامة الإنسانية التي يقول عنها جل علاه: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”.

ويعني العيش الكريم فيما يعنيه توفير الحاجيات الأساسية (المادية والمعنوية) للفرد بما يصون كرامته وأسرته ويمكنه من التمتع بالحقوق الأخرى، وهذا الحق حده الأدنى الكفاية بتوفير السلع والخدمات الأساسية للفرد أو جعلها في متناول قدراته الذاتية الجسدية أو المالية، وليس ما تقدم إبقاءه على قيد الحياة بل الإبقاء عليه حياً كريماً، بتحسين ظروف معيشته متحرراً من الخوف والجوع والمرض وهتك الحرمة في الذات أو المقدسات أو العقائد.

بعبارة أخرى ضرورة احترام الذات البشرية بما هي، وفي الوقت الذي تتحقق فيه الوفرة في موارد الدولة وتشهد زخماً في مواردها لا سيما المالية لا يلحظ الفقراء بالعادة تغييراً ملموساً في نمط حياتهم، أو تعامل المؤسسات الرسمية معهم، بل الغالب ان المسؤول لا يهتدي إلى طريق مساكنهم إلا حين يقترب الاستحقاق الانتخابي ليحصل على دعمهم ومساندتهم قبال وعود كاذبة وادعاءات زائفة تجعلهم يعيشون أمالاً عريضة، فهم يعيشون في مساكن بسيطة يعانون الإهمال وضعف الخدمات الأساسية الصحية والتعليمية والبلدية والحكومات المحلية والمركزية المتعاقبة ليس لديها الاستعداد الكافي والنية الصادقة للنهوض بواقع هؤلاء، بل ينظر إلى هؤلاء في الوقت الحاضر كسبب لزيادة غلة المحافظة أو الوزارة من الموازنة العامة للتأسيس مشاريع بنى تحتية وتقليص فجوة بين الأفراد ممن هم دون خط الفقر وغيرهم، وفي الحقيقة ان هذه الأموال حين تخصص يتم تحويلها إلى مشاريع انتقائية غير قائمة على دراسات حقيقية ولا يتم انتخابها وفقاً للحاجة الفعلية بل يتم توظيفها انتخابيا أو فئوياً.

هذا ومن الملاحظ أن التشريعات الوطنية والعالمية دأبت صراحة على الحق في العيش الكريم فقد ورد في المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948 التي جرى نصها على أن ((لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفى لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصة في المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق الكامل في أن يأمن العوائل في حالات البطالة أو المرض أو العجز أو الترمل أو الشيخوخة أو غير ذلك من الظروف الخارجة عن إرادته والتي تفقده أسباب عيشه)).

وتأكد ما تقدم في المادة الحادية عشرة من العهد الدولي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للعام 1966 بأن ((تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية. وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق، معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم على الارتضاء الحر، واعترافاً بما لكل إنسان من حق أساسي في التحرر من الجوع، تقوم الدول الأطراف في هذا العهد، بمجهودها الفردي وعن طريق التعاون الدولي، باتخاذ التدابير المشتملة على برامج محددة ملموسة واللازمة في تحسين طرق إنتاج وحفظ وتوزيع المواد الغذائية، عن طريق الاستفادة الكلية من المعارف التقنية والعلمية، ونشر المعرفة بمبادئ المعيشية)) وتضمنت المادة السابعة والعشرون من اتفاقية حقوق الطفل للعام 1989 ((تعترف الدول الأطراف بحق كل طفل في مستوى معيشي ملائم لنموه البدني والعقلي والروحي والمعنوي والاجتماعي، يتحمل الوالدان أو أحدهما أو الأشخاص الآخرون المسؤولون عن الطفل، المسؤولية الأساسية عن القيام، في حدود إمكانياتهم المالية وقدراتهم، بتأمين ظروف المعيشة اللازمة لنمو الطفل، تتخذ الدول الأطراف، وفقا لظروفها الوطنية وفي حدود إمكانياتها، التدابير الملائمة من أجل مساعدة الوالدين وغيرهما من الأشخاص المسؤولين عن الطفل، على إعمال هذا الحق وتقدم عند الضرورة المساعدة المادية وبرامج الدعم، ولا سيما فيما يتعلق بالتغذية والكساء والإسكان)).

فالحياة الكريمة تعني قدرة الفرد على تلبية الاحتياجات الأساسية وبلوغ الحد الأدنى من الرفاهية في حياته الفردية والأسرية، وهو بالحقيقة مفهوم نسبي يتباين من فرد إلى آخر باختلاف المجتمعات والشعوب والثقافات، فالفرد قد يتمتع بثروات طائلة لكنه يعيش في كنف نظام حكم دكتاتوري أو استبدادي، فلا يمكن القول انه يعيش حياة كريمة طالما رأيه السياسي أو الديني وحقوقه غير الاقتصادية مهضومة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى