وجدتها تبكي على بغداد الحزينة ..

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
كانت تلك الليلة أشبه بالكابوس . أشبه بالزلزال . كانت كالحنظل بل كالزقوم . لم تغمض عيني لحظة وأنا أرى أهلي يقتلوا اهلي . وأبنائنا يقتلون ابنائنا . رأيت الناس غير الناس والوجوه غير الوجوه وشرار الفتنة يتطاير فوق سماء بغداد ومحافظات الجنوب ليحرق الأخضر واليابس وكل من يرمي طلقة يصرخ لبيك يا حسين ومن يرمي قذيفة دون ان يعلم ان يرميها ينادي عليك يا حسين وما بين احباب الحسين واحباب الحسين انحسرت مساحة الحب وأخذ الشيطان مكانه متربعا بانياب الفتنة تحت طبول القارعين من الذين لا عقل لهم ولا حول ولا قوة وللريح ان تأخذهم حيث تميل . بحثت عن من يبعث لي رسالة كي أطمأن وتهدأ سريرتي بعد ما انهيت تلك الليلة التي لم تغمض فيها عيناي أتشبث في شغاف روحي التي أخذتني اسيرا بين جناحي الشوق الى بغداد حبيبتي لأتمتم في رمال شاطئ دجلتها بأنها أغلى ما في القلب وأنّ وجودها معي حيثما كنت وإلى جانبي فهي الحياة. لعن الله كل من اغاضك يا بغداد واحزنك وابكاك وادمع عينيك . عيناك يا بغداد أثمن أشيائي وأقربها لقلبي . وابتسامة عينيك هي بيت القصيد الذي لا يفهمه ولا يدركه الهمج الرعاع والفاسدين والمجرمين والأشرار . والتقينا صدفة لتقول لي سيدتي الجميلة الحزينة حيث وجدتها تشاركتني الحزن والخوف والقلق . فقالت لم تبكي لوحدك بل بكينا جميعا على بغداد الحزينة . نعم يا جوهرة الوجود وسيدة المدائن فحين تحزنين يغدوا العالم كله متجهمًا حزينًا يملؤه الانكسار , فافعلي خيرًا يا حبيبتي وتعالي على جراحك واصبري على عذاباتك وابتسمي لأجلنا نحن الوالهين اليك بارواحنا . يا أجمل وأروع من احببت وغازلت وعشقت . يا بهجة الحياة وجنة القلب وسيدة كلّ الأوقات . من ذا الذي يمسح التراب عن خصلات شعرك ويعيدك الينا بصباحاتك الجميلة وفيروزها ونقائها وصفائها حيث يكفي الصباح جمالًا أن يكون فيك ومنك وأن تكوني أميرته الأبدية . بغداد يا حبيبتي عذرا . فذا انيني وصدى حزني ونحيبي على ما فعل الأوغاد فيك وما وخز الهمج الرعاع بقلبك النقي وأدمعوا عينيك الكحيلتين وما نهبوا وما سلبوا وما أرعبوا من ندى مقلتيك التي تحلّق في فضاءات روحي مثل فراشاة الحقول الحالمة بالحب والأمن والسلام , يا وجه الخير يا واحة الأماني وسيدة الشعر والقوافي ايتها الرقيقة الأنيقة التي تحبوا بين ثنايها كل ابيات الغزل العذري الطاهر لتغدوا أكثر رقة ومعنى ودلالة ، أقول لك صبرا فاصبري وتصابري وتحملي فلابد ان ينتهي ظلام الخفافيش وعتمة الجهل وزمن الأوثان وعبيدها . لابد ان يعود اليك زهوك وجمالك فأنت الأجمل والأبهى والأسمى رغم كل نعيق الناعقين ونباح الكلاب المسعورة شاء من شاء وأبى من أبى . ابعث اليك يا مدينتي الحزينة عبر طي المسافات الشاسعة بكلّ ما أملك من حبٍ لك والها وعاشقا وخادما لأحرس أحلامك الجميلة كي تكوني كما تحبي وتريدي وتحلمي لتملأي قلوبنا بالحب والأمل والسعادة والسلام . انت الحياة ومعناها فتعالي لتتدثري غطاء روحي فتظلّي دافئة بقربي تنثرين عطرك الرائع في أرضي وسمائي يا أجمل أيامي وذكرياتي يا لغز شجوني وآهاتي يا سيدة الماضي والحاضر والمستقبل . بغداد يا حبيبتي لم يدرك الأغبياء والقتلة اي جرم يقترفون وهم يؤذوك ويحرقوا جدائلك ويدمعوا عينيك الناعستين . لم يرتقوا يوما ليبصروا جمال عينيك التي تشرق الشمس منهما كما يغوص القمر في مقلتيك وتسبح النجوم فيهما . يا كل فضائي الذي لا قرار له حيث احبوا مثل طفلِ خجول أرتوي من ندى صباحاتك املا جديدا وغدا افضل وعمرا جديدا وكأن الحياة تعلن بداية للفرح القادم ان شاء الله . ودعتّها حيث احتسبنا امرنا الى الله عسى ان تسود لغة العقل وثقافة الحوار ويعود القوم الى انسابهم واحسابهم ان كانوا قد نسوا او تناسوا ان لهم دين وعقيدة وان رأس الحكمة مخافة الله .



