اراء

دمشق جاهزة وواشنطن لن تسكت.. خطّة لبنانية لإعادة النازحين

 

بقلم/ جو غانم ..

 

كانت خيمة اللجوء أولى الرصاصات التي أُطلقت على العاصمة السورية بدءاً من العام 2012، إذ أفاق السوريون والعالم على مخيّمات منصوبة على مهلٍ أو على عجل في مختلف بلدان الجوار، وخصوصاً تركيا ولبنان والأردن، وعلى مسؤولين وناشطين من تلك البلدان ومن بلدان أبعد بكثير يهرعون نحو الحدود للترحيب بـ”الشعب السوري الشقيق والمعذّب”، ولدعوة من بقي في بيته وأرضه إلى الهرب سريعاً نحو الأمن والأمان والإقامة المرفّهة والعملة الصعبة والسّهلة.

بدا فجأة أنّ المواطن السوري بات لديه “أصدقاء” حيثما ولّى وجهه، ما دام كان نازحاً وفق الخطّة أو مقاتلاً، لكنّ الويل له إذا انتمى إلى شريحة ثالثة

وللأمانة، وعلى الرغم من معرفة شرائح واسعة من سكان العالم، وبالتجربة، بأنّ رجب طيب إردوغان دجّال سياسيّ فإنّ الرجل استطاع إتقان دوره في تدبير مسألة اللجوء السوريّ وافتعالها في بدايتها، حتى كاد يقبض على مآقي تلك الشرائح الشعبية العالمية نفسها، ويسفح دمعها حزناً على جنبات المخيمات الكثيرة التي أقامها على حدوده، وخصوصاً وهو يُوفد زوجته مصحوبةً بعقيلة الأمير القطري السابق والكثير من المرافقين، لتقفا خارج تلك الأقفاص بلباسهما الإسلاميّ الحريريّ، وترمقا تلك الكائنات البائسة القابعة في الداخل من خلف نظّاراتٍ سود بنظرات أكثر سواداً، في مشهد هوليوديّ استعباديّ لن ينساه الكثير من السوريين، حتى لو عاشوا حيوات متباعدة عديدة.

كالعادة، كان سهلاً جدّاً على واشنطن أنْ تنسى كل خدمات وكلائها هناك، وتعلن العقاب الجماعيّ للبنان الدولة والشعب، ليعود اللاجئ السوريّ إلى موقعه الأساس في المخيال اليمينيّ اللبناني، ويتحوّل إلى سببٍ لكلّ مشاكل لبنان، وخصوصاً أنه ما يزال يتلقّى الدولارات وحصص المساعدات والمعونات الأمميّة والغربية والعربيّة، فيما فقدت الشريحة الأوسع من اللبنانيين امتيازاتها السابقة بسبب الحصار الأميركيّ و”عملية المصارف” التي نفّذتها واشنطن بدمٍ بارد، لتقطع من خلالها خيط العنكبوت الذي كانت قد ربطت به لبنان القديم وعلّقته كبالونٍ للزينة في هواء الأمم لأكثر من 20 سنة.

تقول المصادر الرسميّة اللبنانيّة إنّ لبنان يستقبل على أراضيه أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ سوريّ، منهم 880 ألفاً مسجّلون لدى المفوضية الدولية لشؤون اللاجئين، وأكثر من 400 ألف عامل، إضافة إلى أعداد غير معروفة من العمال الذين يدخلون ويخرجون عبر الحدود بطرق غير شرعية.

هذه الأعداد تضع لبنان في طليعة البلدان المكتظّة باللاجئين السوريين قياساً بمساحته وعدد سكانه، الأمر الذي ترك أثراً سلبيّاً في المجتمع اللبناني وسوق العمل، وجعل اللاجئ السوريّ عرضة للاتّهام بالتسبّب بتصاعد الأزمات المعيشية في البلاد. وقد تجلّى ذلك في أزمة الخبز الأخيرة، رغم ثبوت تلاعب التجّار بمادتي القمح والطحين.

ولأنّ الغرب تعاطى مع مسألة اللاجئين السوريين منذ اللحظة الأولى كعملية استخباريّة سياسيّة موجّهة ضد الدولة السوريّة، فقد بقيت خيوط إدارة تلك العملية في يد الحكومات الغربيّة حتى اللحظة، أي أنّ القوى اللبنانية التي ارتضت أن تكون وبلادها جزءاً من أدوات الضغط، بقيت أكثر عجزاً من أنْ تتخذ قراراً بشأن إعادة اللاجئين عندما استفحلت الأزمة الاقتصادية في البلاد.

أتى ذلك بعد سنوات من محاولات حثيثة واقتراحات وأفكار قدّمتها المقاومة والقوى الوطنية الحليفة لها، وعلى رأسها رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر، للبدء بحلّ هذه القضية من خلال التواصل مع الدولة السورية، ولكن من دون جدوى

الأمر ذاته أعلنه ممثّل مفوضية اللاجئين في لبنان، أياكي إيتو، الذي رفض الخطة بشكل أولي، معلّلاً ذلك بوجوب الانتظار إلى حين “استتباب الأمن في سوريا”، وهي كلمة السرّ الغربية التي تستخدمها واشنطن والحكومات الحليفة لها، كما المنظمات الدولية و”غير الحكومية” التي تعمل كلّها وفق الأجندة الأميركية نفسها.

أتى ذلك على الرغم من تقديم بيروت ودمشق اقتراحات تضمن مراقبة المفوضية للعملية كلّها من الداخل والخارج، بما في ذلك إمكانية أن تستمر الأخيرة في تقديم المساعدات بشكل مباشر في أماكن استقرار النازحين في الداخل السوريّ، ثم اقتراح تشكيل لجنة ثلاثية تضمّ لبنان وسوريا وممثلين عن المفوضية، لمراقبة سلامة عملية العودة من ألفها إلى يائها، ثم اقتراح تشكيل لجنة رباعية مع العراق والأردن وتركيا لتوحيد مطلب إعادة اللاجئين، لكنّ كل هذه الاقتراحات قوبلت بالرفض من ممثل المفوضية.

يقول الوزير شرف الدين إنّ لبنان مصرّ على المضيّ في هذه الخطة مهما كلّف الأمر، لأنّ البلاد ما عادت تحتمل كل هذا الضغط الاقتصادي والمعيشيّ، وإنّه مفوّض من رئيس الجمهورية وملايين اللبنانيين الذين يرزحون تحت وطأة الضائقة

من جهتها، تُعلن دمشق على الدوام أنها جاهزة لاستقبال كل مواطن سوري يريد العودة إلى بلاده، وأنها كفيلة بتقديم كل العون والتسهيلات لأجل ذلك. وقد أعطت الحكومة السورية أكثر من مثال على هذا الأمر خلال السنوات الأخيرة، سواء مع لاجئين عادوا من لبنان أو من تركيا، لكنَّ واشنطن والقوى الدولية التي تمارس أقصى الضغوط على سوريا لتحصيل مكاسب سياسية، لن تسمح للحكومة اللبنانية بالمضيّ في أيّ خطّة كهذه، وهي تدرك جيّداً أنّ ميقاتي ليس رجل مواجهة مع الغرب، وبالتالي ستواجه الخطة اللبنانية السورية معوقات أساسية كبيرة، بالتزامن مع الضغط على اللاجئين أنفسهم لرفض العودة، بذريعة الخوف على مصيرهم في بلادهم.

لذلك، من المنتظر أن تتصاعد الأمور وتتجه نحو الانفجار على هذا الصعيد، وخصوصاً إذا تمكّن فريق المقاومة ورئيس الجمهورية في الحكومة من تمرير قرارات تفرض البدء بالعمل على إعادة موجات من النازحين، الأمر الذي لن تسكت عنه واشنطن أبداً، وستبدأ دوروثي شيا وصحبها مواجهة جديدة في لبنان قد تكون الحوادث الأمنية في المخيمات أو بين لاجئين السوريين وأفراد من المجتمع اللبنانيّ إحدى أدواتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى