ثقافية

 “كلام ما لا يستطيع الكلام” .. إعادة إنتاج المعنى على نحو مغاير

 

حاز الكاتب زياد كمال حمامي في مجمل نتاجه القصصي على جائزة اتحاد الكتاب العرب وجائزة الدكتورة سعاد الصباح، ويأتي اختياره لعناوين مجموعاته (احتراق الحرف الأخير) و(سجن العصافير) و(كلام ما لا يستطيع الكلام) ليؤكد أن المكابدات الإنسانية المكبوتة، محور مركزي يتصدر معظم مساحتها السردية.. وإذا كانت حرية القول وأزمة التعبير ليست موضوعاً جديداً في سياقات القص على اختلافها، فإن جعل البوح التعبيري عنها بالإنابة عن الشخصيات ونَسْبِه من قبل الكاتب إلى غير العاقل بالاتكاء على «ما» التي جعلها من مفاصل العنوان الرئيس للدخول لقصصه، يعتبر محاولة حثيثة لمخادعة التكرار والالتفاف عليه لإعادة إنتاج المعنى على نحو مغاير، يحقق بموجبه مبتغاه بتجاوز السائد السردي للموضوعات التي أعاد تناولها في سياقه القصصي بتجريب فني، بلغ من خلاله حدّ نقل المكان من فضاء ساكن إلى فضاء فاعل ومشارك في تجسيد الحدث، كما ترمي حركة السرد الحديث، وهو ما يحول عناصر هذا المكان إلى تقنية ساردة للوقائع القصصية التي ينطق من أجلها كل شيء، بما فيه كلام ما لا يستطيع الكلام، تحقيقاً واستجابة لما أعلنت عنه المجموعة القصصية على صدر غلافها.. فينطق السجن وعتمته وحرائقه بالكلام غير المباح، الذي خبأه القمع والخوف تحت طيات كبت المعتقلين، وعبر سذاجة وطيبة الشرطي «خلف الجدعان» الذي اتهم بإشعال الحرائق داخل السجن بعدما اندفع لكسر قفل بابه الحديدي، في القصة التي اختارها الكاتب حمامي لتكون عتبة أولى لسيرته القصصية، ولتكون نقطة ارتكاز مبدئية يقوى فيها البوح والكشف الحاصل بلسان المكان ومكوناته غير الحية، على الصمت والكتمان الملازم لنزلاء المعتقل، لذلك نجده يورد الحدث وينسب رواية مجرياته إلى : (كلام الليل وكلام الحجر وكلام الدائرة والكبريت….) جاعلاً من هذه المسميات عناوين فرعية يُنشئ بها داخل سياقات السرد مقاطع ولوحات لا ينفك عن إحداثها، ولا يتردد في إنشائها وتشييدها داخل معماره القصصي، حتى غدت ثيمة وتقنية في سائر قصص مجموعته التي ينتصر في معظمها التخييل التعبيري على الواقع التسجيلي المليء بالمعوقات والمفعم بالمثبطات.

القاص زياد حمامي بهذا التوجه لا ينحاز إلى الحدث القصصي الذي نهضت من أجله سياقات السرد، كما أنه لا يبدي اهتماماً بالفكرة التي عدها ماثيو أرنولد كل شيء قدر اهتمامه وانحيازه إلى الأسلوب وتقنياته الفنية الموجهة لتجسيد الفكرة ذاتها، وهو ما يعتبره أرنولد نفسه ضرباً من الوهم الذي استثمره الكاتب حمامي، ومضى من خلاله إلى الكشف عن مخبوئه السردي، وإبراز ما يرغب من مقاصده، دون اللجوء إلى شخصياته المقموعة ودون الاتكاء على الكائنات الحية غير العاقلة، كما هو الحال في حكايات «كليلة ودمنة «، ومروياتها المنسوبة إلى الحيوانات، مستعيضاً عن كل ذلك بكائنات أخرى غير حية، وغير عاقلة، ليؤكد من خلالها في قصته السابقة «كلام ما لا يستطيع الكلام» على أن للحجر والليل والكبريت كلامه في ما حدث مع شخصياته، وليؤكد تنصله وتنصل الراوي معه مما جرى في سياق الحدث القصصي، معلناً داخل سياقات السرد بأن الراوي قال لكل مَنْ يهمه أن يعرف حقيقة ما جرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى