اراء

أرجحة تركيا تصب في مصلحة روسيا شاءت واشنطن أم أبت

 

بقلم/ميشال كلاغاصي ..

اعتقد كثيرون أن موافقة تركيا على انضمام السويد وفنلندا إلى حلف الناتو، ستكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وستقضي على ما تبقى من العلاقات الروسية – التركية، التي شابها كثير من المنغصات، خصوصاً بعد استخدم الرئيس التركي سكاكينه غير مرة في طعن الظهر الروسي. ولكن، وعلى عكس التوقعات، تقبّل الرئيس بوتين موافقة تركية على انضمام السويد وفنلندا إلى حلف الناتو  دون أي ردود فعل سلبية، من خلال إدراكه أن اليوم لم يعد يشبه الأمس، وأن واشنطن باتت عاجزة عن استخدام تركيا أداةً خاضعة لسياستها الخارجية كما ترغب وتشتهي

وعلى الرغم من شراسة الولايات المتحدة في استخدام توسيع الناتو شرقاً وعدائها لموسكو، إلاّ أنها باتت تدرك من خلال تجربتها الأوكرانية المرة، أنها في وارد خسارة حلفائها وشركائها الأوروبيين، وأن الزعماء والقادة الذين ارتضوا لأنفسهم ولشعوبهم ولمصالحهم طريق الهلاك، لإرضائها والسير وراء سياستها الخارجية ومخططاتها المتهورة والمدمرة، بمجاراتها في عداء روسيا وحصارها ومحاولة تدمير اقتصادها، وفرط عقد تركيبتها السياسية والاجتماعية والجغرافية.. هاهم الاّن ينهارون وسيغادرون المسرح السياسي في فترةٍ وجيزة، فبالأمس رحل جونسون البريطاني، وسيتبعه ماكرون الفرنسي، الذي يواجه سحب الثقة داخل بلاده، فيما الألماني شولتز ليس أفضل حالاً من زميليه.

وما خرجت به ثلاثية بنهم ينهارون وببلا لمذكرة مدريد بين تركيا والسويد وفنلندا في 28 حزيران/يونيو، أكد تحوّلاً نوعياً جديداً ومغايراً في العقيدة الدفاعية الأطلسية السابقة، ولكن وكما قالت العرب، “سبق السيف العذل” ، ولا يمكن أن ينقذ هذا التحوّل الولايات المتحدة من مأزقها، فالحلف الأطلسي الذي أسّس عام 1949، ضد روسيا السوفياتية كجزء من مشروع الحرب الباردة الأميركية والأوروبية، قد استُهلك، ولم تعد الولايات المتحدة قادرةً على التخلّص من هلوسات الأيديولوجيا السابقة، والتقدّم بثقة، ومن دون ندوب، لإخراج اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية الجديد من روسيا، وصبغ حلف الناتو “بحلّة جديدة”، للانقضاض على روسيا والاتحاد مجدّداً، عبر جبهة البلطيق

بالنسبة إلى تركيا، تدرك واشنطن وموسكو، أهمية موقعها الجغرافي، ودورها المهم في عملية الاستقطاب ما بين الشرق والغرب، على الرّغم من كونها دولةً أطلسية منذ عام 1952، لكنها تحاول تحقيق مصالحها ما بينهما، وعليه استطاع الرئيس بوتين تفهّم قبول تركيا انضمام السويد وفنلندا في مقابل فوزه ببعض الشروط التي فرضها على الناتو

حتى لو رأت واشنطن والناتو أنهما أحرزا بعض التقدّم على جبهة البلطيق، فإن روسيا نجحت في تحقيق جميع أهداف عمليتها العسكرية الخاصة، غرباً وشمالاً، إضافة إلى حدودها الجنوبية التي ما زالت وستبقى مفتوحة أمامها بفضل علاقاتها بتركيا، وتتيح لها الوصول إلى بحر قزوين والقوقاز والبحر الأسود

بات على واشنطن والرئيس بايدن، الإقلاع عن غزل تركيا الذي مارسه أخيراً، وتقبّل أنها ستبقى دولةً أطلسية محايدة بطريقة أو أخرى، وأن الغزل الأميركي والاستجابة للمطالب التركية المتعلقة بمشروعات الصناعات الحربية، ورفع العقوبات الأميركية، وتعزيز مكانة تركيا الأطلسية، سيصب بطريقة أو بأخرى في مصلحة روسيا، ولن تكون روسيا عدواً لتركيا، ولن تقف في خط مواجهتها الأول

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى