ثقافية

فيلم «ثمانية ونصف».. الهروب إلى الحلم بسريالية سينمائية

 

 

سليم البيك..

قد تكون أزمة الإلهام أصعب ما يمكن أن يواجه المبدع (السينمائي هنا) وهي الفكرة الأساسية في فيلم فدريكو فليني «ثمانية ونصف» وتُلفظ مباشرة على لسان شخصيته الرئيسة غويدو، المدرك لأزمته الذي يحاول، من المشهد الأول للفيلم وعلى طوله، التعامل معها بالهرب منها، بمحاولة تفاديها كأنه يلاعبها.

يبدأ الفيلم بمشهد سيريالي، يحاول غويدو العالق في سيارته الخروجَ منها، كل من حوله ينظر إليه، يراقبه، وهو يجهد كي يفلت، ويخرج أخيراً ليحلق فوق السيارات، ثم إلى السماء، كأنه يصعد إلى وحيه إلى أن يلتقطه أحدهم بحبل ويُسقطه، في واقعه، فيستيقظ من حلمه مريضاً. هذه بداية واضحة لأزمة الإلهام التي يعانيها غويدو ومحاولته الإفلات إلى خيالاته ليصوّر فيلمه المنتَظر.

الهرب والتفادي، كما في المشهد الافتتاحي، هو ما يحاوله غويدو على طول الفيلم، مُحاصَراً من قبل من يضطر للعمل معهم لإنجاز الفيلم: السيناريست والمنتج والممثلون وغيرهم. وهذا كله يشكل عائقاً وعامل ضغط على العملية الإبداعية لدى المخرج. وهذه العملية تكون، في الفيلم، في تصويره وليس كتابته، فالمخرج غير المقتنع بالسيناريو الذي لديه كما يبدو، ينتظر إلهاماً في كيف ومن أين يبدأ التصوير، وكل ما حوله يؤخره عن ذلك. من المنتج إلى الصحافة إلى النساء الراغبات بالتمثيل في فيلمه.

فكرة الهرب أو الإفلات لا تتعلق بالنساء حسب، إذ يحاول الإفلات من التقاء شغفه بمسؤوليته بزوجته هارباً منها، ومن كل فريق العمل حين تحضر كلوديا، هارباً معها في سيارتها إلى مكانٍ ناءٍ، منعزل عن كل ما حوله.

هنالك تمثيل آخر لفكرة الهرب، التي افتُتح بها الفيلم بمشهد سيريالي، وهي محاولات غويدو الدائمة للإفلات من واقعه إلى ذكريات طفولته وأحلام يقظته. فالأخيرة أتته كذلك في المشاهد الأولى، بعد حلمه بأنه يطير هارباً من أزمة السير، حين طلب كأس ماء من امرأة، ممتلئاً بمياه مقدسة، تخيلها كلوديا، آتية من بعيد مبتسمة ولا تزيح عينيها عنه، ليجد نفسه في واقعه أخيراً، مع امرأة متواضعة الجمال متعَبة تمد الكأس كي يأخذه، مُحاطاً بالمنتج والكاتب وآخرين يضغطون عليه للبدء بالتصوير، يلحون، بذلك، على حلمه كي يتلاشى، كأن الفيلم حالة وسطى ما بين الحلم والواقع، ما بين الرغبة والمسؤولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى