“شط الأرواح”.. رواية الهاربين من جحيم الدول العربية

المراقب العراقي/ متابعة…
تذكرنا رواية “شط الأرواح” للكاتبة التونسية آمنة الرميلي الصادرة عن دار محمد علي، تونس، في كثير من فصولها، بـ”جحيم” دانتي، حيث يرتفع نحيب المعذبين وتأوهاتهم في ردهة الجحيم، كما ترتفع صرخاتهم المزعجة، وصيحات غضبهم وحشرجة أصواتهم المختنقة المبحوحة الصادرة من أعماق القلوب، صاعدة إلى الفضاء الموحش الذي لا نجم فيه. وهي تفصح، كما جاء في “جحيم” دانتي، عن آلامهم بكل لسان، باحثين، بعيونهم المحملقة عن عزاء لا يكون.
هذا الوصف الذي اقتبسناه من الملحمة الإيطالية لا يختلف كثيراً عن الوصف الذي وجدناه في قصص المهاجرين الهاربين من جحيم الدول العربية الذين جاءوا إلى تونس من بلاد بعيدة يترصدون فرصة الدخول إلى أوروبا بعد طول انتظار. هنا أيضاً أصوات ترتفع من كل مكان ونحيب وجثث موتى تتكدس على الشاطئ يلفظها البحر.
والواقع أن الدخول إلى فضاء هذه الرواية دخول إلى عالم غريب من الكوابيس، يصعب تصديق أحداثه ووقائعه. ربما يجنح القارئ إلى اعتبار ما جاء في الرواية محض خيال، ربما يذهب إلى أن فصولها مجرد لوحات “أدبية”. فكل ما دون، في هذه الرواية، قاس، موجع، لا سيما مشاهد الجثث الطافية فوق ماء المتوسط، أو ملقاة على الشاطئ تنتظر من “يكرمها” بالدفن. جثث من مناطق كثيرة في العالم. ثمة تونسيون طبعاً، لكن ثمة عرباً وأفارقة وأجانب أتوا من أماكن بعيدة. كلهم حلموا بالذهاب إلى الضفة الأخرى من المتوسط بحثاً عن مستقبل آمن وحياة كريمة، لكنهم فشلوا في عبور هذا “المستنقع”، فألقت بهم الأمواج جثثاً هامدة على الشاطئ. في أقصى الجنوب التونسي، في أحد أحياء مدينة جرجيس، المدينة الهادئة. قلة قليلة تعرف هوية الموتى، وتعرف قصتهم كاملة، لكنهم، بالنسبة إلى أكثرية المواطنين، مجرد غرباء اقتحموا هدوء الجنوب التونسي وأربكوا طمأنينته.
أما من ينهض بدفن هؤلاء فهو “خير الدين المنسي”. هذا الرجل الذي آل على نفسه أن يحفظ كرامة هؤلاء الموتى فيواريهم التراب يومياً مردداً: “لا أعرف من هم إلا جثثهم تناديني أو أناديها. سيان لأحفظ كرامتها من التحلل تحت الشمس”.
العبارة التي يستخدمها التونسيون في وصف هؤلاء المهاجرين إلى أوروبا على ظهور القوارب الصغيرة هي “الحراقة”. وربما أشارت هذه العبارة إلى تعمّد هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين إحراق وثائقهم الثبوتية قبل الوصول إلى أوروبا، فإذا دخلوا إليها تستروا عن أصولهم، ولم يفصحوا عن أسماء البلدان التي تحدروا منها خوفاً من اقتيادهم من جديد إليها.



