اراء

حزب الله ومعادلات الخطوط.. أي خيارات لـ”إسرائيل”؟

 

بقلم/ شارل أبي نادر..

 

 

لم يكن خطاب الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله الأخير عادياً، حين تكلم عن موقف المقاومة وخياراتها في مواجهة ما تقوم به، أو ما تعد له “إسرائيل”، من إجراءات تقنية وغير تقنية، لاستخراج الغاز من حقل “كاريش” البحري الحدودي بين لبنان وفلسطين المحتلة. هذا الحقل قد يصبح قريباً، الأشهر عالمياً من دون منازع، مع إمكان تطوّر الأحداث في محيطه القريب والبعيد أيضاً، وخصوصاً أنه يواكب هذه الأيام أزمة غاز وطاقة عالمية، على خلفية الحرب في أوكرانيا وتبعاتها المهولة، لناحية جنون أسعار الطاقة والتضخّم المتسارع في أغلب الدول، وما يمكن أن يرتبط بها من أزمات غذاء عالمية.

 

في الواقع، لقد كان خطاباً استثنائياً بكل ما للكلمة من معنى، إذ سوف يُبنى عليه كثير من النقاط المفصلية، على صعيد لبنان و”إسرائيل” والمنطقة والإقليم، وربما على الصعيد الدولي… وذلك نظراً إلى ما تضمّنه من إشارات واضحة، وضع السيد من خلالها النقاط على الحروف، لناحية موقف المقاومة وما تنوي عمله، تبعاً للمسار الذي يمكن أن يأخذه هذا الموضوع من جوانبه كافة، وخصوصاً ما يتعلّق منه بما يمكن أن تقدم عليه “إسرائيل” أيضاً، كفعلٍ بداية، وكرد فعل على رد المقاومة لاحقاً.

 بداية، لم يحتج السيد نصرالله في خطابه إلى بذل كثير من الجهود، لإظهار السبب الرئيس، الذي يشرح موقف المقاومة الرافض لقيام “إسرائيل” باستخراج الغاز من المنطقة الجنوبية ومن حقل “كاريش”، وهي عملياً غير متنازع عليها مع لبنان، وعلى الرغم من مسارعة “إسرائيل” إلى إعلان أنها لم تعمل، ولن تعمل في المنطقة المتنازع عليها من “كاريش”، الواقعة شمال الخط 29، إذ إنها ما زالت موضوع تفاوض مفتوح لم يحسم حتى الآن. ولكن بالنسبة إلى السيد نصرالله، الأمر محسوم، فالحقل يمتدّ إلى شمال الخط 29 وإلى جانبه، والغاز فيه يشكل كتلة واحدة مترابطة، فيكون هذا العمل الإسرائيلي على مستوى اعتداء كامل العناصر على سيادة لبنان وحقوقه، ما يستوجب تالياً رداً ملائماً، استناداً إلى قواعد الاشتباك القائمة بين المقاومة و”إسرائيل”، والتي جرى إثباتها في مسار طويل من المواجهات والحوادث السابقة.

حساسية الموضوع تكمن في اتجاهين الأول: أن المقاومة لا يمكن أن تتراجع عن موقفها الواضح ومعارضتها للأعمال الإسرائيلية، مهما كان توصيف هذه الأعمال، تنقيباً أو استخراجاً، خصوصاً أن السيد نصرالله كان واضحاً وحاسماً كالعادة، والعدو أكثر من يعرف مفاعيل الجِدّة في مواقف كهذه للأمين العام لحزب الله، والثاني: هو أن “إسرائيل” أيضا،ً لا يمكنها أن تتراجع بهذه السهولة وتسحب السفينة وتوقف الأعمال في منطقة بحرية، كانت قد أعدتها منذ سنوات، من جميع النواحي القانونية، والتقنية، والفنية، والجغرافية، والاقتصادية والتجارية، بعد أن رأت أنها ليست موضع نزاع مع لبنان، الذي كان قد حدّد مناطقه البحرية رسمياً ودولياً، عبر المرسوم 6433 المرسل بحسب الأصول إلى الأمم المتحدة عام 2011، معتبراً الخط 23 (شمال الخط 29 وشمال حقل “كاريش”) حدوداً جنوبية لمياهه الاقتصادية الخالصة.

أما لناحية “إسرائيل”، فلعل أكثر الخيارات احتمالاً أمامها هو التراجع عن الأعمال، التي أصبحت غير آمنة بتاتاً، وهي لديها مروحة واسعة لتغطية هذا التراجع لكي لا تظهر منكسرة معنوياً، تبدأ برمي الموضوع على السفينة، التي سوف تنسحب خوفاً على عمالها ومنشآتها التشغيلية، على أساس أنها غير مستعدة لتتعرّض للخطر والعمل في ظروف غير مؤاتية من الناحية الأمنية والعسكرية، ثم تذهب “إسرائيل” إلى التراجع الجزئي، معلنةً وقف العمل في كل جهات “كاريش”، المتنازع عليها، وغير المتنازع عليها، مع بقاء السفينة مكانها في انتظار نتيجة المفاوضات، بعد تدخّل الموفد الأميركي هوكشتين، الذي أعلن نيته القدوم قريباً إلى لبنان لمحاولة العثور على حل ملائم.

وفيما خص مرحلة خيارات “إسرائيل” الأكثر حساسية، فهي تبدأ من رفضها الانصياع وعدم القبول بسحب السفينة ووقف الأعمال، وهنا يمكننا القول إننا انتقلنا إلى مرحلة المواجهة والاشتباك لكون المقاومة لن تتراجع أمام هذه الحال من الرفض والتعنّت الإسرائيلي، وستبدأ عملها العسكري الحسّاس والمختلط بين إطلاق المسيّرات وإطلاق الصواريخ أو الاثنين معاً، وفي حالة الدخول في تلك المواجهة، لن تكون خجولة، إذ من المفترض حينذاك أن تكون حاسمةً، وعلى مستوى الاشتباك، الذي لن يتوقف حتماً على السفينة المدنية، التي سوف تنسحب حينئذ ومباشرة بعد نشوب المواجهة، بل سوف يمتدّ إلى سفن وقطع الحماية والتدخل الذي سوف يشركها العدو حتماً في بقعة الاشتباك ومحيطها القريب والمتوسط.

وبينما تبقى محاذير هذه المواجهة قائمة وبقوة، نظراً إلى ما تحمله من تبعات مدمّرة وواسعة، ظلّت “إسرائيل” تخشى الوصول إليها حتى ما قبل الأمس أو قبل الخطاب الفصل للأمين العام لحزب الله، حيث كانت نسب وقوع هذه المواجهة وعدم وقوعها متساوية، ويمكننا القول، وبكل حذر وخشية، بوجود مسار الاشتباك البحري المعقد -كما يبدو- وبوجود العناد الإسرائيلي والإصرار على متابعة الأعمال، ومع خطر وحساسية الأجواء الإقليمية والدولية حالياً، يمكننا القول إن الأجواء تبدو مؤاتية لتدحرج الأمور والمواجهة الواسعة، وهذا فضلاً عن الموقف المعقد بقوةٍ داخل فلسطين المحتلة، ومستوى التوتر غير المسبوق بين إيران و”إسرائيل” الذي تطوّر إلى مواجهات عدة مباشرة، حصلت عملياً، بشكل علني أو بصورة مخفية، إلى تأزم مسار الاتفاق النووي مع إيران كما يبدو.

مع كل ذلك، أصبح من الممكن القول: إنّ نسبة حدوث مواجهة واسعة في المنطقة بدأت تتغلب على نسبة انتفاء حصولها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى