إيران وإسرائيل… تطورات وتحديات وحروب ظل.

بقلم/ د. حسن مرهج..
لا شك بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها قــــوة إقليمية قــــوية، إنما تسعى لترتيب المشهد الإقليمي، بما يتناسب ودورها الفاعل والمؤثر في عموم المنطقة، خاصة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تقرأ بعناية خاصة، جزئيات المشهد الإقليمي، وتبني على تلك المشاهد، معادلات ردع جديدة في وجه خصومها، لا سيما أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وتخفيض العدد والعتاد في القواعد الأمريكية في الخليج والأردن، والوعد بسحب كامل للقوات العسكرية الأمريكية من العراق بانتهاء العام الحالي، كلها مشاهد تمهد الطريق لظهور إيران بصورة أقوى، كقوة إقليمية فاعلة ومهيمنة في منطقة الشرق الأوسط. وهذا يتطلب بالطبع إرساء قواعد جديدة تتناسب مع المرحلة الحالية تتمثل بتفاهمات مع كل من تركيا والسعودية، ولجم إسرائيل وردعها في البُعد الاستراتيجي لإيران، ونقصد هنا منطقة الخليج الفارسي.
ضمن معادلة الأمن القومي الإيراني، فإن المنظور الاستراتيجي لـ إيران، يضع إسرائيل في قائمة التهديدات، وهي بذات الوقت، فإنها تنظر إلى وجود إسرائيل، في عموم المنطقة، وتحديداً في منطقة الخليج الفارسي ، على أنه يمس أمنها القومي وبُعدها الاستراتيجي. إلا أنها مارست لعبة حافة الهاوية وهي استهداف السفن الإسرائيلية دون الانخراط بحرب واسعة. كل ذلك لتحقيق الهدف الأكبر الذي يسعى إليه المرشد الأعلى، الإمام السيد الخامنئي، وهو الانسحاب الأميركي من المنطقة؛ إذ إن إغراق السفن الإسرائيلية في مياه الخليج قد ينعكس سلبًا على قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من المنطقة. وكل العمليات التي قامت بها إيران ضد سفن إسرائيلية على مدى السنوات الثلاث الماضية إنما هي ردَّة فعل على ضربات عسكرية إسرائيلية سابقة تتناسب معها شدة وطردًا. والعملية الأخيرة إنما جاءت لتثبيت معادلة ردع جديدة، بعد أن تيقن الإيرانيون من خروج الولايات المتحدة من المنطقة بالإضافة إلى محاولة ردع إسرائيل من استهداف قواتها في سوريا.
كل ذلك، يأخذنا مباشرة إلى جُزئية غاية في الأهمية، تتمثل في أن لإيران باعاً طويلًا في مواجهات حافة الهاوية، كما لديها خبرة كبيرة في خوض معارك طويلة الأجل. وخير دليل على ذلك حرب السنوات الثمانية التي خاضتها مع العراق، وإدارة الصراع مع الولايات المتحدة على مدى 42 عامًا الماضية دون الانزلاق إلى حرب تقليدية.
ما يُمكن قوله، أن التحديات وحالة اللا استقرار بين طهران وتل أبيب، إنما تُنذر بانتقال الصراع من حالة حرب الظل، إلى المواجهة العسكرية المباشرة، فالعمليات الإسرائيلية داخل إيران، لجهة عمليات الاغتيال التي طالت كبار العلماء الإيرانيين، وكذا عناصر وضباط من الحرس الثوري الإيراني، لا يمكن لإيران السكوت عنه،
وربطاً بذلك، فقد أكدت مصادر أمنية إسرائيلية، أن هناك محاولات جدية من قبل إيران، لاستهداف إسرائيليين في تركيا، الأمر الذي أكده أيضاً، مراسل الشؤون العسكريّة في القناة الـ12، نير دفوري، الذي أوضح أن تحذير مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، يؤكد أنّ الخطر جدي ولا يزال قائماً، حيال استهداف إسرائيليين في تركيا، وذلك في إطار المحاولات الإيرانية للرد على اغتيال الضابط في الحرس الثوري الإيراني، العقيد حسن صياد خدائي، قرب منزله بالعاصمة طهران.
حقيقة الأمر، يبدو واضحاً أن سياق التطورات بين إيران وإسرائيل، آخذ في التصاعد، فـإيران لا يمكن لها الصمت أكثر، إزاء العمليات الإسرائيلية في الداخل الإيراني، فضلاً عن أن إيران، بوصفها عمود محور المقاومة، باتت تشعر بحرج كبير أمام حلفائها، وهي تحتاج في جانب آخر، إلى إبقاء صورتها كقوة إقليمية فاعلة ومؤثرة، حاضرة وبقوة لدى خصومها في المنطقة، وبالتالي، فإن الأمر لم يعد مقتصراً على وكلاء إيران في المنطقة، بل تعدى ذلك، ومسّ بشكل مباشر هيبة إيران، الأمر الذي يشي بأن الصمت الإيراني المؤطر بالقراءات الإستراتيجية العميقة، قد وصل إلى مراحله النهائية، وبكل تأكيد ثمة رد إيراني يجري التحضير له، للانتقام من استهداف العلماء الإيرانيين، وضباط الحرس الثوري الإيراني، فضلاً عن استهداف المصانع النووية الإيرانية.
من هنا تبدو الولايات المتحدة متحمسة للقيام بعمل يولد سلسلة من ردود الفعل الإيجابية تُجاه طهران، وإعادة التهدئة بينهما، خشية الدخول في حرب إقليمية واسعة، تخشاها الولايات المتحدة على خلفية انكفائها من المنطقة، كما تخشاها إسرائيل التي فشلت في صياغة نظام إقليمي جديد، عبر سلسلة التطبيع. من هنا ينبغي على الجميع الحــــذر من ردود أفعــــال إيــــران، القــــوة الإقليميــــة التي لا يُستهان بها.



