الزعيم المجري حليف بوتين..شوكة في الخاصرة الأوروبية

بقلم/د. علي دربج..
بعد أسابيع من المفاوضات الشاقة والعسيرة، تمكن رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في 30 أيار الفائت، من الحصول على تنازلات حاسمة من الاتحاد الأوروبي فيما يرتبط بالعقوبات المفروضة على النفط الروسي، إذ سيتم إعفاء المجر (الدولة غير الساحلية) إلى جانب سلوفاكيا وجمهورية التشيك مؤقتًا من الحظر، وستكون بودابست قادرة على التزوّد بالنفط من خط أنابيب “دروزبا الروسي“.
كما تلقت المجر تأكيدات أنه سيتم اتخاذ تدابير طارئة “في حالة الانقطاع المفاجئ للإمداد”، بعد أن أثار أوربان مخاوف بشأن المخاطر المحتملة على خط أنابيب “دروزبا” الذي يدخل المجر عبر أوكرانيا.
وغني عن التعريف أن الاتحاد الأوروبي كان قد بذل جهودًا كبيرة في وقت سابق لفرض حظر على استيراد النفط الروسي – النفط الخام القادم من البحر عبر خطوط الأنابيب والمنتجات المكررة – رغم أن ثلثي النفط الروسي الذي يشتريه الاتحاد الأوروبي، إنما يأتي من خلال الناقلات، بينما يصل الثلث الآخر، من خط أنابيب دروزبا.
وبذلك، يكون أوربان حليف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أوقف محاولات فرض حظر كامل على واردات الطاقة الروسية الى أوروبا، والذي وصفه رئيس الحكومة المجري بأنه سيكون بمثابة إلقاء “قنبلة ذرية” على اقتصاد المجر، لا سيما إذا علمنا أن بودابست تتلقى 85 بالمائة من الغاز الطبيعي، وحوالي 65 بالمائة من نفطها من روسيا.
لكن من هو هذا الزعيم المثير للجدل؟
عمليا، يكشف السلوك السياسي (الداخلي والخارجي) لرئيس الحكومة المجرية، عن شخصية تجمع بين المتناقضات، فهو يكاد يكون الوحيد الذي يغرد خارج السرب الأوروبي فيما يتعلق برفضه عزل روسيا، فضلًا عن معارضته الصريحة للانحرافات الاوروبية في قضايا تمس الأخلاق الانسانية، ومن جهة أخرى، يتوافق في نظرته مع جماعة المحافظين في الولايات المتحدة، بل يحظى بتأييدهم وبدعمهم، والعكس صحيح.
تولى أوربان منصبه في عام 2010 وفاز الزعيم المحافظ بفترة ولايته الرابعة على التوالي في الانتخابات المجرية التي أجريت في نيسان الماضي. ولا يزال يتمتع بشعبية بين قطاعات كبيرة من الناخبين المجريين في وقت واجه فيه ضغوطًا شديدة من الاتحاد الأوروبي بسبب سياساته المحلية والدولية.
خارجيًا، وباعتباره مدافعًا صريحًا عن “ديمقراطية غير ليبرالية”، تعرض أوربان لانتقادات شديدة وعنيفة من قبل الغرب، لمهاجمته ما يسمى بـ”مجتمع المثليين”، ولقيامه بوضع ضوابط للصحافة والقضاء، وتنظيمه الجامعات، كما عرف بسياساته المناهضة للهجرة والفساد.
أما على المستوى الداخلي، فقد حرص أوربان على الحد من تداعيات وآثار الأزمة الأوكرانية على دولته، ولهذا أعلنت الحكومة المجرية في 24 أيار الفائت، أنها ستأخذ سلطات طوارئ جديدة للتعامل بشكل أفضل مع المشاكل الناجمة عن العمليات العسكرية في أوكرانيا. وبناء على ذلك ستسمح سلطات الطوارئ للحكومة بإصدار القوانين بمرسوم، فضلًا عن التعليق المؤقت للقوانين المعمول بها أو رفضها أو تعديلها.
ماذا عن علاقات أوربان مع روسيا؟
كان أوربان صريحًا جدًا في علاقته ببوتين. بعد فوزه الساحق في الانتخابات العامة عام 2022 ، هنأ بوتين أوربان عبر تطبيق المراسلة Telegram. وخلال خطاب النصر، وصف أوربان أيضًا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والبيروقراطيين في الاتحاد الأوروبي بـ “خصومه”
ولفت الى أن “قوة ساحقة” بما في ذلك زيلينسكي تآمرت ضده خلال الانتخابات المجرية، بحسب هيأة الإذاعة البريطانية.
أكثر من ذلك، ومنذ صعوده إلى السلطة في عام 2010، حاول أوربان تقوية العلاقات الاقتصادية مع روسيا. وفقًا لتقارير عام 2020 الصادرة عن مرصد التعقيد الاقتصادي (OEC)، صدّرت روسيا سلعًا بقيمة 2.15 مليار دولار إلى المجر، وتمثلت هذه المنتجات الرئيسية بالآتي: النفط الخام (1.05 مليار دولار)، الغاز النفطي (536 مليون دولار) والبترول المكرر (112 مليون دولار).
ماذا عن علاقات أوربان مع الغرب؟
كانت علاقة المجر مضطربة مع القوى الغربية على مدى السنوات الماضية. حتى قبل الأزمة الاوروبية. انتقد الاتحاد الأوروبي أوربان بسبب سياساته “غير الليبرالية” المعلنة والفساد المزعوم. كما ان الموقف الأوروبي من بودابست لم يخل من الانتقام والكيدية.
وتبعًا لذلك، أوقف الاتحاد الأوروبي في شباط الماضي، صندوق Covid لاسترداد الأموال الخاص بهنغاريا، والذي بلغ حوالي 8 مليارات دولار، بسبب اتهامات مزعومة بالفساد. وفي نيسان الفائت ايضا، كان الاتحاد بدأ بعملية لمنع التمويل الإضافي للمجر. وكانت المجر أيضًا الدولة الوحيدة التي لم تتم دعوتها إلى قمة الديمقراطية في واشنطن في كانون الأول 2021.
بالمقابل، أجاد اوربان استخدام أوراق القوة التي يملكها بوجه أوروبا، فقد أثبت الزعيم المجري أنه شوكة في خاصرة الاتحاد الأوروبي، وعمد الى عرقلة القرارات الأخرى التي تتطلب إجماعًا بين الدول الأعضاء. ففي عام 2020، أجّلت كل من المجر وبولندا الموافقة على ميزانية الاتحاد الأوروبي البالغة 2.1 تريليون دولار لمدة سبع سنوات وخطة التعافي من الوباء.
ما هي رؤيته للمهاجرين والمسلمين؟
في الواقع إن الميول المحافظة المسيحية لفيكتور أوربان، دفعته الى انتقاد المهاجرين المسلمين، وهو ما جعل الزعيم المجري يتمتع بشعبية كبيرة بين القوميين اليمينيين في الولايات المتحدة.
وانسجامًا مع توجه اوربان، انعقد “مؤتمر العمل السياسي المحافظ “(CPAC)، وهو تجمع رائد للمحافظين من الولايات المتحدة في بودابست في ايار الفائت، وهو أول حدث لـ CPAC يعقد في أوروبا.
في المحصلة، ما يجدر التوقف عنده وقراءة تداعياته جيدًا، هو أنه في خطابه أمام التجمع في 19 ايار، ذكر أوربان، أن المحافظين في أوروبا والولايات المتحدة يجب أن يتعاونوا لاستعادة المؤسسات في واشنطن العاصمة وبروكسل “التي سيطر عليها الليبراليون الذين يسعون لتقويض الحضارة الغربية”، وهنا يطرح السؤال نفسه هل يكون العالم أمام “ترامب أوروبي”؟ فلنراقب مؤشر التطرف في اوروبا، عندها نحصل على الاجابة.



