سياق الترجي و التمني في قصة “طقس عبثي”

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
ترى الناقدة التونسية عزة الخزرجي ، إن القاص عبد الكريم الساعدي انخرط في سياق الترجي والتمني وفي لحظة التنوير في قصته القصيرة “طقس عبثي” تجلّت أدوات تستعمل إمّا تمنيًا أو ترجيًا.
وقالت الخزرجي في قراءة نقدية خصت بها “المراقب العراقي”: “إن الطقوس على ضوء المقاربة الانثروبلوجية ضرب من الممارسات الرمزية في ارتباط وثيق بأساطير البدء والتكوين وطفولة الكائن البشري عندما كان هذا الكائن يحاول استمالة الآلهة والابتهال في حضرتها وتقديم القرابين حتى تمنحه السلام والانسجام والطمأنينة والأمان ولكن هذا الطقس الممارس في هذا المتن السردي “طقس عبثي” منزاح عن هذه المنابت الأولى مفارق لها إذ اقترن باللاجدوى وأفرغ من معانيه الأصلية وشحن بمعانٍ جديدة ترشح بطلاناً وزيفا.
وأضافت: وهكذا كانت عتبة النص الأولى “العنوان” واقفة في مهب دلالات القلق إذ أن الفعل الطقسي بلا نجاعة ولا فائدة ولا شك أن لهذا العدول عن وظائف الممارسة الطقسية المعهودة مبرراته، وقد يفصح عنها المتن السردي أو حبكته الفنية.
وتابعت: ينفتح هذا المتن السردي بصيغة مفتاح عادة ما تستهل بها النصوص السردية على عادة الرواة ونسجا على منوالهم ولكن هذه الصيغة “ذات زمن شاحب”. الافتتاحية شذًت كما شذً الطقس العبثًي عن المعهود إذ كانت متصلة منفصلة في آن في تواشج مع القوالب الموروثة مثل “زعموا أنً ، ويحكى أنً” ويقال بنية وصياغة ولكنًها على غير مثال سابق عمقا ودلالة ، فالنعت شاحب ينأى بها عن مجرد التأطير الزماني أو إعلان بدء الحكي لتصبح حاملة لدلالات الشحوب المقترن بعدم وضوح الرؤية والتخبط والعشوائية واللامعنى وتتكثّف هذه الدلالات بتواتر أفعال متكررة في رتابة وبلا تجدد .
وواصلت: وتضيق دائرة الاكراهات والمكبلات ويضطلع الحيز المكاني الضيق ”ركن في غرفة” بدور الكشف عن جوانب من نفسية هذا الصبي المكتهل وهو يشعر بالاختناق لإطباق منغصات عدة على عنقه، فكان بذلك كيانا مأزوما محبطا عبثا يحاول الإفلات من قبضة الشعور بانعدام القدرة على التغيير والتبديل ويقف عاجزا إزاء ما يجري.
وبينت: وهكذا يتًخذ القاص عبدالكريم الساعدي هذه الشخصية القلقة بؤرة للحدث في آن آلية فنية تميل بنا إلى الواقعية المحبطة بجميع مفرداتها وتفصيلاتها وما تعكسه من متناقضات وكأن هذا الغلام الوجه الآخر لبطل قصة المعطف للروائي الروسي ( نيكولاي غوغول ) وكأنً هذا الصبي ممن يحيل عليه ضمير المتكلًم الجمع “كلنا خرجنا من معطف غوغول” إذ لازمه البؤس منذ الولادة وكأنًما ولد معه ختم بالبؤس على جبينه، إذا فالبؤس المادي والمعنوي من الوشائج الجامعة بين بطل طقس عبثي للقاص عبدالكريم الساعدي وبطل المعطف وقد لا نعدم وشائج أخرى ومنها آلية السخرية حكمة المفارقات الإنسانية وابنة المتناقضات والأسئلة المعلًقة على تحبير الباحث محمد إسماعيل زاهر .
وأوضحت: وحتًى تتجلًى هذه المفارقات عمد القاص إلى أسلوب التقديم والتأخير والى تصرف فنيً بالبنية الزمنيًة بالتلاعب بالمشاهد عبر فنيًة الاسترجاع بالالتفات إلى الماضي في محاولة ”هرب من فزع اللًحظة” ومتناقضاتها ولكنً المحاولة باءت بالفشل وما الابتسام المرَ القلق إلا علامة من علامات استواء الأضداد فليس الأمس بأفضل من اليوم ، فيستحضر الصبي تذكًرا صورة ”أب مسجى” مستسلم للغياب فليس ما كان بأقل عبثيًة مما هو كائن بل إن الحاضر أشد عنفا وقهرا وقد تبدى في صورة الأم المنتحبة وهي تشكو الفاقة والعجز ”لا وقود لدينا” ومنطوقها هذا اختزل لحظة الأزمة وقد بلغت أوجها وذروتها وإنها للحظة فاجعة والصبي المكتهل يجلد بسوط من نار الشعور بالعجز والاستسلام للواقع المأزوم العبثي.
مضيفة: ولما كانت القصة القصيرة تحشد كلً ثقلها في اتجاه النهاية لتكون كالقنبلة التي تلقى من طائرة ويكون هدفها الأساسي المسارعة بإصابة الهدف بكل طاقتها الانفجارية فقد كانت للصبي ومن ورائه القاص قنبلته الموقوتة وفي لحظة الكشف وفي النهاية وبطاقة تفجيرية هائلة أقدم هذا القلق حد الجنون على إحراق كتبه حتى يمنح أمه دفئا كما منحته من قبل عند تخلقه جنينا رحما اكتنفه في حنو وحضن أمومي لن تظفر بما هو أدفأ منه.
وأكملت : وتعكس هذه النهاية غير المنتظرة والمفاجئة والمخاتلة للمتلقي منحى ثوريا تجلًى في كتابات المرحلة الراهنة بكل تناقضاتها في واقع بلغ منتهى تداعياته الرهيبة . ومن المتون السردية المنخرطة في هذا الاتجاه ”الأشجار واغتيال مرزوق” لعبد الرحمن منيف فبطل الرواية منصور عبد السلام لم يجد من وسيلة ليحقق ثورته الفارغة من كل مفهوم سوى الرفض والرغبة في تحطيم كل شيء يقول هذا البطل المأزوم ”ماذا أفعل إذا كانوا يريدون لنا أن نظل إلى الأبد في المزابل وتحت الأحذية … يجب أن يدمر نهائيا لعل عالما جديدا يقوم على أنقاضه لعل بشرا من نوع جديد يأتون من صلب عالم آخر لكي يطهر هذه الأرض التي تعلوها طبقة سميكة من القذارة والتفاهة”.
وختمت: إن القاص عبد الكريم الساعدي انخرط في سياق الترجي والتمني وفي لحظة التنوير في قصته القصيرة “طقس عبثي” تجلًت أدوات تستعمل إما تمنيا أو ترجيًا ”لعلً أميً تحظى ببعض الدفء” والسياق والرابط العاطفي المقدًس يرشًح لعلً هذه لتكون ترجيًا ورغبة ممكنة الوقوع وأمًا ”علًني أجد ظلي” وقد ختمت بها القصة قصة الطقس العبثي فلن تكون إلا للدلالة على تمن مشرب حسرة إذ أن الواقع المريض والمرير لا يرتجى منه إلا أن ينسل هاربا.



