الأبعاد التاريخية لإحتلال بغداد

لم تحظ مدينة إسلامية بعد الحرمين الشريفين بالشهرة مثلما حظيت مدينة بغداد التي أنشئت سنة ( 145هـ = 762م ) لتكون حاضرة الخلافة العباسية ، وقد ظلت لنحو خمسة قرون عاصمة للعالم الإسلامي، ومتحفاً للحضارة والمدنية، وقبلة للعلماء والساسة والمفكرين.
وقد تعرضت العاصمة الفتية للتخريب والتدمير بعد سنوات من ازدهارها بسبب الصراع الذي تأجج بين الأمين والمأمون ولدي هارون الرشيد ، فأتت النيران على أحياء بأكملها، وتهدمت بعض قناطرها ودمر قصر الخلافة، غير أن ذلك لم يؤثر عفي مكانتها، وظلت محتفظة بقدر كبير من نشاطها الأدبي وازدهارها الاقتصادي، ثم تراجعت مكانتها السياسية، لتحل محلها مدينة سامراء التي أنشأها الخليفة المعتصم ، وجعلها عاصمة لدولته سنة ( 221هـ = 836م ) وظلت كذلك حتى هجرها الخليفة المعتمد سنة ( 279هـ = 892م ) وانتقل إلى بغداد ، وأعادها حاضرة للخلافة العباسية مرة أخرى.
وحين سيطر البويهيون على مقاليد الأمور في الدولة، فقدت بغداد أهميتها السياسية؛ بسبب انتقال السلطة إلى مدينة شيراز حيث كان يقيم عماد الدولة البويهي الذي كان يصرف أمور الدولة دون أن يكون للخلفاء العباسيين شأن في اتخاذ القرارات وتسيير شؤون الخلافة.
ثم لم تلبث أن استردت العاصمة التليدة مكانتها وعاد إليها عافيتها القديمة وتألقت على يد السلاجقة، فاحتضنت بغداد المدرسة النظامية نسبة إلى الوزير المعروف نظام الملك السلجوقي، والمدرسة المستنصرية التي أنشأها الخليفة المستنصر العباسي، وامتلأت بالقصور الرحبة والحدائق الرائعة والبيمارستانات الطبية.
ما قبل الاحتلال
وظلت المدينة التليدة محتفظة بتاريخها العريق ومدنيتها على الرغم مما أصاب الخلافة العباسية من ضعف ووهن ، بلغ أشده في القرن السابع الهجري، وانشغل الخلفاء بمصالحهم وأهوائهم، ولم يفطنوا إلى الخطر الذي يحدق بهم، ويقترب منهم رويداً، وكانت المرة الأولى التي هاجم فيها المغول أطراف العراق سنة 618هـ = 1220م، حين وصلت الأخبار إلى بغداد بتقدم المغول من مراغة في أذربيجان نحو إربل، بادر الخليفة الناصر لدين الله إلى تحصين بغداد، والاستعداد للخروج لمواجهة جحافل المغول التي آثرت الرجوع وعدم الصدام المبكر مع قوات الخليفة، وتلا ذلك فترة من الهدوء دامت نحو عشر سنوات، ثم عادت قوات المغول إلى مواصلة الهجوم على العراق مرة أخرى، بعد أن تمكنوا من القضاء على آخر مقاومة للخوارزميين كان يقوم بها جلال الدين خوارزم شاه سنة ( 628هـ = 1230م ) وأصبح الطريق مفتوحاً إلى بغداد، بعد أن أهمل الخلفاء العباسيون الاستعداد ليوم اللقاء، ووصل الأمر ببعضهم وهو الخليفة المستعصم بالله أن وصفه المؤرخون بالغفلة وضعف الرأي، وقل الحزم، وإهمال الجيش، والإمساك عن الإنفاق على الجند، ولم يكن هذا الحال خافياً على قادة المغول الذين كانوا يتحينون الفرصة المناسبة للانقضاض على الخلافة العباسية
إحتلال بغداد ونهاية الدولة
استعد هولاكو للزحف نحو بغداد في المحرم من سنة 655هـ، وأرسل إلى الخليفة المستعصم بالله يطلب منه هدم جميع أسوار بغداد والمثول بشخصه أمامه، أو إرسال ثلاثة من كبار رجال دولته نيابة عنه، لكن الخليفة رفض التهديد ودعاه إلى الجنوح إلى السلم والعودة إلى خراسان أو الاستعداد للحرب، ولم يأبه هولاكو لرد الخليفة العباسي لإدراكه ما حل بالدولة من ضعف، وأنها عاجزة عن رد زحفه الجرار، وتكررت الرسائل بين هولاكو والخليفة دون أن تحمل أحد الطرفين عن التراجع عن موقفه، حتى إذا اقتربت قوات المغول من العاصمة بغداد قامت بضرب حصار شديد حولها وتضييق الحصار عليها وإقامة الاستحكامات، ولم تفلح قوات الخليفة في فك الحصار ورد القوات الغازية، وفشلت مساعيه في إقناع المغول بالكف عن القتال وعقد الصلح، وأصبح سقوط بغداد أمراً وشيكاً لا مفر منه، واضطر الخليفة إلى الخروج من بغداد وتسليم نفسه وعاصمة الخلافة إلى هولاكو دون قيد أو شرط، وذلك في يوم الأحد الموافق (4 من صفر 656 هـ= 10 شباط 1258م) ومعه أهله وولده بعد أن وعده هولاكو بالأمان.
وبالغ المؤرخون في عدد ضحايا الغزو المغولي حين دخلوا بغداد، فقدرهم بعض المؤرخين بمليون وثمانمئة ألف نسمة، على حين قدرهم آخرون بمليون نسمة، وفي اليوم التاسع من صفر دخل هولاكو بغداد مع حاشيته يصحبهم الخليفة العباسي، واستولى على ما في قصر الخلافة من أموال وكنوز، وكانت الجيوش المغولية أبقت على قصر الخلافة دون أن تمسه بسوء، ولم يكتف هولاكو بما فعله جنوده من جرائم وفظائع في العاصمة التليدة التي كانت قبلة الدنيا وزهرة المدائن ومدينة النور، وإنما ختم أعماله الهمجية بقتل الخليفة المستعصم بالله ومعه ولده الأكبر وخمسة من رجاله المخلصين الذين بقوا معه ولم يتركوه في هذه المحنة الشديدة.
وبمقتل الخليفة العباسي في (14 من صفر 656 هـ = 20 من شباط 1258م) تكون قد انتهت دولة الخلافة العباسية التي حكمت العالم الإسلامي خمسة قرون من العاصمة بغداد لتبدأ بعد قليل في القاهرة عندما أحيا الظاهر بيبرس الخلافة العباسية من جديد.
وبعد حكم التيموريين سقطت بغداد سنة ( 814هـ = 1411م ) في يد التركمان ، وظلت كذلك حتى دخلها الشاه إسماعيل الصفوي .
استرداد العثمانيون بغداد من أيدي الصفويين
كان الصراع على أشده بين الدولتين العثمانية والصفوية، وحينها عدّ الخليفة سليمان القانوني احتلال بغداد في يد الدولة الصفوية الشيعية، أمراً بالغ الخطورة ، فأرسل على الفور حملة عسكرية بقيادة الصدر الأعظم إبراهيم باشا الذي نجح في سنة ( 941هـ = 1923م ) في إعادة العراق إلى السيطرة العثمانية، ثم لم تلبث أن استولت عليها الدولة الصفوية مرة أخرى سنة ( 1032هـ = 1923م ) في عهد عباس الصفوي، لكن العثمانيين عادوا مرة أخرى ونجحوا في استعادتها سنة ( 1049هـ = 1639م ) وبدأوا في العناية بالعاصمة التليدة وتجديدها وبناء ما تهدم منها ، وتوالى الولاة العثمانيون على بغداد ، وكان من أشهرهم مدحت باشا الذي بذل خلال ولايته ( 1286- 1288هـ = 1869- 1871م ) جهوداً ملموسة في الإصلاح والتعمير .
النكبة الثالثة لبغداد
ظلت بغداد تابعة للدولة العثمانية حتى سنة ( 1335هـ= 1917م ) حين احتلت إنجلترا بغداد فأنهت الحكم العثماني، وفرضت الانتداب الإنجليزي على العراق، ثم عين الأمير فيصل بن الحسين ( 1339هـ = 1921م ) ملكاً على العراق من الإنجليز، وأصبحت بغداد عاصمة للعراق.
الاحتلال الأخير
ثم شهدت العراق احتلالها الأخير والمدوي حين تلقت ضربات متلاحقة، وموجات من القصف المدمر استمر 17 يوما، قامت به القوات الأمريكية وحلفاؤها، ولم يكن في قدرة العراق أن يتحمل ويلات المغول الجدد وهم يلقون بحممهم على أرض الحضارة، ويبيدون الحياة والإنسان.
ولم يكن للعراق أن يصمد كثيرا وهو يواجه الغازي المتجبر وحده دون معاون أو نصير، ولم يكن ليثبت وأذرع الخيانة تحيط به من كل مكان.. فسقط في الميدان ليعيد إلى الأذهان ما حدث منذ 745 عاما، حين غزا المغول العراق، وحاصروا بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية بجيش هائل، مجهز بأعتى الأسلحة، ومسلح بطاقة وحشية للفتك والتدمير.
وتشاء الأقدار أن يكون زمن الحصار في المحرم، شهر الله الحرام، وهو نفس الشهر الذي استقبل فيه العراق المغول الجدد (!!)، وأن يكون يوم (الأربعاء 7 من صفر سنة 656هـ) اليوم الذي اقتحم فيه المغول المدينة العريقة هو نفس اليوم الذي دخلت فيه القوات الأمريكية بغداد دار السلام؛ حيث سقطت في أيديهم في يوم (الأربعاء 7 من صفر 1424هـ)!!




