“أخبار مجنون ليلى” كما رواها قاسم حداد

المراقب العراقي/ متابعة…
يندرج عمل الشاعر قاسم حداد «أخبار مجنون ليلى» داخل فضاء الحب، من هنا قيمته وحساسيته في أزمنة اليباب الوجداني والحسي، التي نعيشها تحت إمرة عوالم الافتراضي والمصطنع، وتأثرت بها حتى لغة الفن والأدب راهنا. وقد أتى هذا العمل النوعي ضمن سلسلة أعمال شعرية وفنية أخرى متزامنة تحركتْ، جماليا وأيقونِيا وكتابيا، داخل هذا الفضاء بما يشبه ـ وقتئذ، وبعد رحيل نزار قباني- احتجاجا على رعب اللحظة الحضارية في مقدماتها الزاحفة؛ مثل: «سرير الغريبة» لمحمود درويش، و”كتاب الحب” لمحمد بنيس، و”سُر من رآك” لأمجد ناصر، و»ركعتان في العشق» لأحمد الشهاوي، إلى جانب نصوص قوية لكتاب قصيدة النثر؛ عبد المنعم رمضان، وأسعد الجبوري، وشاكر لعيبي، ووفاء العمراني وغيرهم، الذين دفعوا بالتجربة إلى أقصاها لما فتحوا شعر الْحُب على مفردات ورؤى جديدة، وأحيانا صادمة داخل تأويلها الإيروتيكي، كأنها رد بليغ على مصادرة الحق في الْحُب والتنعم بالجسد.
وإذا كانت هذه التجارب في شعر الحب تتنوع مصادِرها في إنتاج المعاني وتوليد مناخاتها الرمزية والتخييلية، بعد أن تفاعلت نصيا مع خطابات وافدة من سجلاتٍ أسلوبية ومعرفية وثقافية باذخة؛ عربية وأندلسية وهندية وحديثة، إلا أنها أوحت معظمها بحاجتها المتعطشة إلى آخر مادي متعين حينا، أو شهواني إيروسي ـ بهذا المعْنى أو ذاك ـ حينا، يملأ على الذات يبوسة العالم وجفاءه، بين شعر الحب المعذب، والانطلاق العرفاني، وتوجعات الجسد النافر.
يكتسي «أخبار مجنون ليلى» صيغة العمَل الشعري العابر للأشكال، بحيث لا يطمئن لجاهزية الشكل وعرف تسمياته التي استقر عليها الذوق السائد، كأنما الشاعر كان يكتبه فيما هو يستجيب لـ»شهوة الانتقال التعبيري. تَصير هذه المغامرة في الكتابة مضاعفة لما تعمل على مدونة مقبلة من التراث العَربي، كانت على الدوام تحت سطوة الأسطورة ومحكياتها، ونهب التاريخ المتخيل وتخريجاته في وجوه كثيرة. وما أظُن أن هناك نصا أدبيا- تخييليا وثقافيا قارب «ألف ليلة وليلة» في عظمَتها مثل «أخبار مجنون ليلى». وما أظُن أن هُناك كتابا أجمل وأطرف في الْحُب عند العرب مثل الذي كتبه قيس بن الملوح خالدا فيه إلى يوم الدين. لهذا نُقدر عمل قاسم حداد الكتابي وهو يراهن على نص غني ومُلْتبس، كتقديرنا لتلك المسافة الجمالية الممكنة بين الشفاهي والكتابي، بين الخبر والنص، بين الحلم والواقع، بين التاريخ والشعر، بين الأصل والنسخة التي يقطعها ويعمل عليها، مُنْزلا خبرته شاعرا وناثرا في الوقت معا.
يفترض عنوان العمل، ابتداء، أنه ضرب من «السيرة الغيرية» يكرسه شاعرٌ حديثٌ لواحد من السلالة التي تجمعه بهِ قرابة الشعر، على نحو ما يشبه التحية له والاحتفاء بتجربته في الحب، التي آوتْ روحه المُجنحة، ولا سيما إذا كان ممن جنتْ عليه تآويل التاريخ والقصص الشعبي، ولم ينتصر له، في كل عصور التاريخ الثقافي، إلا حُبه في شعره الذي يقدم ذاته كما هي في الكتابة، مجدولة بإيقاعها الظامئ. لكن سرعان ما يخيب أفق الانتظار ونحن نتلقى هذه الأسطر الكثيفة في مفتتح العمل.
يأخذنا قاسم حداد إلى الأخبار الأخرى عن قيس؛ أخبار شاعر عن شاعر بوسيط الاستعارة داخل لعبة تتبادل الأدوار والرموز والأقنعة؛ بهذه الروح الشعري العارم يقطع الشاعر مع المُدونة التراثية التي تنقل لنا أخبار قيس المعطوبة تحت سطوة العقل، وتعيد الاعتبار لذاتها فيما هي تحتفي بـ»فتنة الصورة» التي تصغي إلى دبيب الفطرة، وروح الطبيعة في موجوداتها المادية والحسية التي تَنفسها قيس في شعره، وشكلتْ مجاله الحيوي الخَشوع والخصيب لما تنكر له بنو جلدته وأنكروا عليه صفاء سره وسريرته. لا يبقى من قيس إلا مُدونته الشعرية التي أودعها حُبه لليلى في مَتاه الكتابة والحياة، أما مُدونة «الأخبار» التقليدية فلا معنى لها إلا في سياقات تنتظمها الكتابة من جديد، عبر استراتيجية مخاتلة تمارِس الإزاحة والنقض والتكثيف بين طرفي الخبر والنص، الرواية والشعر.



