ثقافية

“صدى الوحدة وقصائد أخرى” قوة المعنى في قصيدة الومضة    

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى أ.د مصطفى لطيف عارف أن وضع تعريف دقيق لقصيدة الومضة في ديوان “صدى الوحدة وقصائد أخرى” للشاعر عبد الرحمن رضا أمر غير هين في ظل الاختلاف الكبير على تسميتها :اللقطة، التوقيعات، الهوامش ,وعلى حجمها،وضوابطها الفنية والبنيوية.

وقال عارف في قراءة خص بها ” المراقب العراقي”: إن وضع تعريف دقيق لقصيدة الومضة أمر غير هين في ظل الاختلاف الكبير على تسميتها :اللقطة، التوقيعات، الهوامش ,وعلى حجمها، وضوابطها الفنية والبنيوية, والومضة لغةً من وَمضَ وومضَ البرقُ: لمع خفيفاً، و أومَضَتِ المرأةُ: سارقتِ النّطر، و أومضَ فلانٌ: أشار إشارة خفية, و في هذا المعنی شيءٌ مِن اللّمعان, و التلألُؤ, و التألُق,  و الإشراق,  و التوهُّج و فيه شيءٌ من الإدهاش ,و التشويق ,و فيه شيءٌ آخر من الشفافية ,و الغموض الآسر, و عدم الايضاح لکلّ شيءٍ, و فيه شيءٌ آخر مِن التکثيف ,و الاختزال ,و الاقتصاد اللّغويّ, و قد قيل: البلاغة هي الايجاز, کما قيل خير الكلام ما قلَّ و دلَّ,و يتداخلُ مع معنى الومضة، البرقية و لذلك يقال: القصيدة البرقية، القصيدة الومضة وهي قصيدة مكثفة, ومختزلة جدّاً, تميزت موضوعات الشاعر الكبير عبد الرحمن رضا بالتشكي والياس والحزن والضجر من الحياة وحاله معها , فنراه يقول : 

هذا الشتاء وهذا برده القاسي    يامن دفنت على نيران أنفاسي 

اتخذتني موقدا تذكي شرارته  طرائق الدهر في نفسي من الناس 

إني لأقذف من أعماقها حمما   هي الشعور بآلامي وإحساسي 

وأضاف :ولعل من نافلة القول هنا أن هذا الأسلوب الفني يتفق مع فن الابيجرام الذي هو فن شعري نشأ في ظروف مشابهة لما مربه الشاعر عبد الرحمن رضا  منذ مئات السنين في أوروبا , وهو فن ذو أصول قصصية, وكان في البداية يكتب على شواهد القبور , وعلى هدايا أعياد الميلاد, وعلى التماثيل ,وعلى الرسوم التذكارية, وعلى مذابح الكنيسة , وقد رأى فيه النقاد رمزا أو أشارة أو علامة أو شعارا ومن ثم صار فنا قائما بذاته بعد أن تغيرت دلالاته فراح يظهر في الثورات ,والانقلابات ,والإصلاح الاجتماعي, ومن مميزات هذا النمط الشعري الفنية , هي اتصافه بالوحدة العضوية والاقتصاد الشديد باللفظ, فضلا عن اعتماده على الطرفة والمفاجأة القصصية أو انه ينتهي نهاية لاذعة أن لم تكن فاحشة, وغالبا ما ينظم للسخرية من احد الخصوم والتهكم عليه , وقد كتب به معظم أدباء أوربا كالشاعرين الألمانيين غوته , وبريخت ,ونجد شاعرنا عبد الرحمن قد قلد هذا النوع الشعري , فنراه يقول :-

فغاية نصحي بأني أراك 

تعود إلى عشك الأول

وتنشد أغنية في رباك

ترقص في الروض كالبلبل 

وتابع: وهي بهذا المعنى قصيدة دائمة الإنتاج،ودائمة التخلّق،لأنها تتموضع ظهوراً،وغياباً،في شؤون شتى،مستمرة في صيرورتها،ولأنها متحركة وقابلة لأكثر من زمان ,ومكان بسبب من طاقاتها الخبيئة ضمن بنية شديدة التكثيف،ولأن فاعليتها متولدة من ذاتها النصيّة،فهي شكل من أشكال الإنجاز اللغوي الشعري،تتمتع بنظامها الخاص،ولغتها الوسيطة بين طرفي المعادلة الإبداعية الشاعر/ القارئ ,فهي عمل شعري يسعى للتفرد،والقصيدة الومضة عليها أن تتمتع بخصوصية تمكّنها من ممارسة تغريب نسبي،وفعل استلابي،وقلب لأفكارنا،ولمدركاتنا ،ولتعابيرنا المعتادة،ولذائقتنا الشعرية المعتادة على أنماط،وأشكال معينة , وخير دليل على ذلك ما نظمه شاعرنا عبد الرحمن رضا, فنراه يقول : 

أومأ الدرب يا ابنتي فلنغادر   هذه آخر انطلاقة شاعر

هذه آخر امتلاءه كأس  وستبقى غدا كؤوسي شواغر 

ولتقل ما تشاء عني الليالي  ليس من أدرك الحقيقة كافر 

فاملئي الكأس يا بثينة فالليل   طويل وليس للهم آخر 

 وأشارل الى أن هذا الأسلوب الفني يذكرنا بالبيت المفرد السائر أو الشارد أو الأوابد في القصيدة العربية القديمة , فالشاعر العربي القديم كان يسعى إلى أن يجعل قصيدته كلها عبارة عن أبيات شاردة , لا بل سعى بعض الشعراء إلى جعل الشطر الواحد بيتا شاردا لوحده ,كأن يسري مثلا بين الناس أو حكمة أو ما شابه ذلك , وهذا جعلهم يعيبون التضمين في الشعر, وكل ذلك ليسهل حفظه ويشيع بين الناس , فهو في الصدور اثبت وفي المحافل أجول , وأحسن الكلام ما كان قليله يغينك عن كثيره  ,ونجد القصيدة الومضة عند شاعرنا أشبه ما  تكون قصيدة مكتملة المعنى،مبتكرة في فضاءات لغتها،وهي ذات فكرة متوهجة،وتقنيات متداخلة ومتضافرة وتستفيد من أشكال فنية متعددة ,الفن التشكيلي والموسيقى والتصوير السينمائي كـــما أن عليها امتلاك قدرات تعبيرية ثرّة،عائدة للركازة الرمزية التي تكتنزها البنية المختزلة لها,فنراه يقول : 

أيها الشاعر المحلق بالروح     لجو من الخيال الفريد 

أنت في شرفة تطل على الدهر   وتسمو على الوجود الوليد 

وسواءٌ أفي زمان طريف   كنت أم كنت في زمان تليد 

وختم :إذن فهي نصٌّ أشبه مايکون ببرقٍ خاطفٍ يتسم بعفوية ,و بساطة تمکنه من النفاذ إلی الذاكرة للبقاء فيها معتمداً علی ترکيزٍ عالٍ, و کثافة شديدة مردّها انطباع کامل واحد مستخلص من حالة شعورية أو تأملية أو معرفية عميقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى