سعدون حاكم يمزج الانطباعية والواقعية بالألوان الكربلائية

المراقب العراقي/ علي ابراهيم ..
يُعدّ الفنان التشكيلي سعدون حاكم من الأصوات الفنية المعاصرة البارزة في مدينة كربلاء المقدسة، حيث يقدّم تجربة تشكيلية تمزج بين الانطباعية والواقعية الحديثة، مع حضور لافت لجرأة الخطوط وقوة تعبيرات الجسد في تناول قضايا إنسانية واجتماعية. ويعتمد في أعماله على حسّ لوني دقيق يوظّف الألوان لخدمة البعد التعبيري، بما يمنح لوحاته حيوية وانفعالاً واضحين. وقد تجلّت ملامح تجربته في عدد من المعارض الشخصية، من بينها معرضه الحالي “مرايا”، إلى جانب معرضه الشخصي في مركز العلوم والأشغال اليدوية بكربلاء، وصولاً إلى معرضه الذي أقامه عام 2025، مؤكدا من خلاله، استمرارية مشروعه الفني وتطوره.
وفي السياق، احتضنت قاعة “أكد” للفنون في بغداد، تجربة بصرية مغايرة أعلن فيها الفنان سعدون حاكم عن افتتاح معرضه الشخصي الأول الذي حمل عنوان “مرايا”.
المعرض الذي شهد حضوراً نخبوياً متميزاً من الأوساط الثقافية والفنية، ضم ثلاثين لوحة تشكيلية اتسمت أغلبها بوحدة القياس وتعدد الرؤى، حيث تحول سطح اللوحة عند حاكم إلى “مرآة” لا تعكس الملامح المادية، بل تستنطق الدواخل الإنسانية في أقصى حالات تأملها الجمالي. ويأتي هذا المعرض ليشكل إضافة نوعية للمشهد التشكيلي العراقي المعاصر، لما يطرحه الفنان من لغة تجريدية رصينة توازن بين قوة الكتلة اللونية وعمق الرسالة الفلسفية، محولاً الجدران إلى فضاءات مفتوحة للحوار بين الذات والآخر.
وتعد تجربة سعدون حاكم أحد المتون البصرية التي تستحق التوقف عندها طويلاً، كونها تمثل اشتغالاً واعياً على منطقة وسطى بين التجريد التعبيري واستنطاق الذاكرة المكانية. في هذه اللوحات نجد أنفسنا أمام بنية تشكيلية لا تكتفي برصد الجمال الصرف، بل تذهب نحو تفكيك الكتلة اللونية لإعادة بناء فضاء رمزي يتسم بالعمق الفلسفي والقدرة على الاختزال.
يرتكز الخطاب الجمالي عند حاكم على مفهوم “التنظيم الهندسي العفوي”، فلوحاته ليست مجرد انسكابات لونية عشوائية، بل هي عمارة بصرية رصينة. نلاحظ في أعماله، خاصة في اللوحات ذات التقسيمات الصريحة، استخداماً ذكياً للخطوط الأفقية والعمودية التي تقسم سطح اللوحة إلى مساحات متفاوتة الأحجام، مما يمنح المتلقي شعوراً بالاستقرار البنائي رغم ضجيج العاطفة اللونية. هذا التقسيم يذكرنا بأسلوب الحارة أو النافذة، حيث يبدو العمل كأنه لقطة جوية لمكان ما في الذاكرة، أو تفكيك لسطح جدار عراقي عتيق أكل عليه الدهر وشرب.
يولي حاكم أهمية قصوى لـ”ملمس السطح”، فهو لا يتعامل مع اللون كصبغة مسطحة، بل ككيان مادي له ثقل. يظهر ذلك جليا في استخدامه لتقنيات الخدش والحك وإضافة بعض العناصر الخطية التي تشبه الغرافيتي العفوي أو الرموز المسمارية الممسوحة.
هذه الطبقات المتراكمة تخلق بعداً زمنياً داخل العمل؛ فالمشاهد لا يرى لوحة بنت لحظتها، بل يشعر أنه ينقب في طبقات جيولوجية من المشاعر والذكريات التأريخية.
تتميز الألوان لدى سعدون حاكم بالجرأة في المزاوجة بين المتناقضات، فهو يتقن فن “المجاورة اللونية”، حيث يضع المساحات القاتمة -الأسود والأزرق الليلي- في مواجهة صدمات ضوئية من الأصفر الصريح أو الأحمر القاني. أما اللون الأصفر فغالباً ما يظهر كبؤرة ضوئية تكسر جمود العتمة، ويمثل في فلسفته البصرية “الأمل” أو “شمس الحقيقة” وسط ركام الذاكرة.
إن أعمال سعدون حاكم لا تسعى لتمثيل الواقع بقدر ما تسعى لـ”تمثيل جوهر الواقع”. هو ينتقل من التشخيص إلى التجريد الرمزي؛ فالأشكال الهندسية، والخطوط المتشابكة، والنقاط الموزعة بعناية، كلها “شيفرات” بصرية تدعو المتلقي للمشاركة في إنتاج المعنى. العمل عنده لا ينتهي بوضع الفرشاة، بل يبدأ حين يبحث المشاهد عن “المخفي” وراء تلك المساحات اللونية.
إن مجمل أعمال الفنان سعدون حاكم تعكس نضجا في التعامل مع المساحة الفراغية، حيث يتحول الفراغ إلى امتلاء دلالي. إنه يقدم لنا تجربة فنية تجمع بين أكاديمية البناء وحداثة الرؤية، محولا اللوحة إلى مرآة تعكس صراع الإنسان مع المكان والزمان، مؤكدا، أن الفن التجريدي هو اللغة الأبلغ للتعبير عن قلق الوجود وجمالية الانتماء في آن واحد.



