«حديقة لكسمبور».. كتابة الذاكرة ومطابقة المرجع

رياض خليف
ليست الكتابة عن باريس ويوميات الرحيل إليها نزعة جديدة في الأدب العربي. فقد شهدت المكتبة العربية مؤلفات عديدة تقدم مشاهدات مؤلفيها في باريس وتنقل انبهارهم. ولعل أبرزها «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» لرفاعة رافع الطهطاوي و»حديث عيسى بن هشام» لمحمد المويلحي. ويبدو أن هذه المدينة استطاعت أن تغوي الكتاب العرب ليكتبوا عنها باستمرار. فلم تنقطع كتابة باريس عن الكتاب العرب ممن ظلوا يقدمونها نموذجا اجتماعيا وثقافيا وإصلاحيا.
وها هي تعود من جديد في العمل السردي الأخير «حديقة لكسمبور» للروائي عبد القادر بن الحاج نصر، الذي يكتبها كتابة مغايرة ليست كتابة تمجيد لكنها كتابة لذاته فيها ولمعاناته. فليست باريس في هذا العمل درسا للاعتبار به، لكنها مجرد فضاء للذاكرة، يعود إلى كتابتها من جديد بعد أن راودته في مجموعته القصصية «حكايا باريس». فهذا العمل الجديد الذي اكتفى المؤلف بإدراجه تحت التصنيف الأجناسي «رواية» المرسوم على غلاف، يدخل ضمن الأدب السيرذاتي، وهو من أنواع الأدب الحميم، على حد تعبير الصادق قسومة.
ويمكن اعتباره سيرة ذاتية روائية. وهذا التصنيف الفرعي ضمن أصناف السيرة الذاتية يلتزم بالمطابقة ويغلب عليه المرجعي وهو منسجم مع الميثاق السيرذاتي الذي رسمه فيليب لوجون، على غرار «رحلة جبلية صعبة ورحلة أصعب» لفدوى طوقان و»الأيام» لطه حسين. فهو عودة إلى الذاكرة ونهل مما تلقى عالقا فيها. وهو ما يبدو في هذا العمل حيث يستسلم الكاتب لذاكرته، مستعرضا سنوات من تجربته الحياتية، وتحديدا سنوات الهجرة إلى فرنسا بسبب الدراسة، سنوات المغامرة والظروف القاهرة ـ ساردا معركته مع الحياة وصراعه المرير مع الخبز وبحثه عن غرف النوم، متحدثا عن سنوات قلق وتململ انتهت بحصوله على عدد من الشهادات الجامعية العليا ودروس عند كبار الباحثين من بينهم محمد أركون، معرجا في الأثناء عن ذاكرة تونسية محلية، متحدثا عن ذكريات عوداته المختلفة إلى العاصمة وإلى القرية. وهو بذلك يؤرخ لتجربته ويكتب خفاياها، معترفا بالجميل للكثير من الأشخاص ممن ساعدوه في هذه المراحل، ومدوا له يد المساعدة.



