«البلاغة الكبرى» .. منتوج شامل بديل عن الاستعارة من الغرب

المراقب العراقي/ متابعة…
أدرك البلاغيون العرب المعاصرون والمحدثون، على غرار نظرائهم الغربيين، في العقود الأخيرة أزمة البلاغة العربية تلقيا وإنتاجا، تطبيقا وتلقينا، فتبلور لديهم الوعي بضرورة تطوير البحث البلاغي العربي وتجديده، والعمل على ترهينه، بما يجعله في صلب واقعنا، يخدم قضايا الخطابات والنصوص الراهنة، حمل هذا الهم رواد الجيل الأول أمثال: محمد عبده، أحمد أمين، أمين الخولي، وشوقي ضيف، وتبعهم من الجيل الثاني: مصطفى ناصف، شكري عياد، وسعد مصلوح، ومن الجيل الحالي: محمد مفتاح، محمد العمري، محمد الولي، محمد مشبال ومحمد بازي من المغرب، وعماد عبد اللطيف من مصر.
وإذا كان الجيل الأول قد شغله سؤال النهضة بالبلاغة العربية، وبعث الحياة فيها، فإن الجيل الثاني ومن جاء بعده كانت أمامهم تحديات أخرى، فاشتغلوا بسؤال التجديد والتطوير، في ظل ما عرفه العصر من مستجدات في مجال العلوم، خاصة العلوم المجاورة للبلاغة كعلم الأدب والأسلوبية واللسانيات، والسيميائيات وتحليل الخطاب. وفي اشتغالهم بهذا السؤال سلكوا طرقا عديدة، واعتمدوا مناهج بحث مختلفة. ورغم ما قدمه هؤلاء للدرس البلاغي العربي، إلا أن الهوّة بين محتويات كثير من المشاريع البلاغية ومنجزاتها واسعة.
وفي ظل هذه الإكراهات تبقى المشاريع التي عالجت قضية البلاغة بمنظور شمولي مكتمل قليلة ونادرة، ومنها مشروع الباحث المغربي محمد بازّي الذي كرّس حياته العلمية قرابة ما يزيد على عقدين من الزمن، للبحث البلاغي العربي بعثا وتطويرا وتجديدا، توّجها بمشروع البلاغة الكبرى، باعتباره منتوجا بلاغيا شاملا يمثل إسهاما عربيا خالصا يطرح نفسَه على القارئ والباحث العربيين بديلا عن الاستعارة من الغرب.
يُذكر أن مؤَلف «البلاغة الكبرى» هو مجموع لبحوث محمد بازي، الذي صدر مؤخرا عن دار كنوز المعرفة في الأردن ـ 2022، بعنوان كبير هو «البلاغة الكبرى نحو نظرية وجودية لصناعة الخطاب وتأويله» موزع على ثلاثة كتب: القارئ البليغ المسار المسلوك والأفق المنتظر، البلاغة والوجود إبدالات مرجعية لصناعة الخطاب ونقده، والوجود بالخطاب تنزيل الإبدال في نظرية الأدب الدال.
والمتتبّع لجهود أبي جلال الدين محمد بازّي البلاغية، يلاحظ أنه يشتغل في منحيين؛ فهو يراهن على التأصيل لنظرية عربية في مجال البلاغة وتحليل الخطاب، تتلاءم مع معطيات الثقافة العربية الإسلامية، وتنسجم مع الخصوصية العربية الإسلامية. ومن جهة أخرى ينفتح على ما وصل إليه الدرس البلاغي الغربي، ويستفيد منه على قدر الحاجة. فاستطاع بذلك أن يستخلص من هذين المصدرين آليات تحليلية ونماذج إقرائية تفهيمية وتأويلية هادفة وقاصدة، تُعين الباحثَ العربي المعاصرَ الذي يكابد إشكالات البلاغة وتحليل الخطاب على فهم النّصوص وتحليل الخطابات، وبذلك تكون اجتهاداته موصولة بماضيها منشغلة بقضايا حاضرها، قد حقّقت أحد شروط الإبداع الموصول، كما يحدّدها طه عبد الرحمن ـ قراءة آخذة بأسباب تراثنا التفسيري والثقافي ـ فهي تصلُ جذورَها بالتراث، وتطلق أغصانَها في العصر الحديث.يعد رسالة “أمن وطمأنينة”



