ثقافية

أدباء : الفيسبوك منبر لمن لا منبر لهم ويلعب دوراً مُركّبا في الإنتاج الأدبي

يبي

هل صفحة الفايسبوك هي كسوق الجمعة ومجلة الحائط فيها من كل واد عصا هل هي نعي للقارئ، أم هي فضاء حرّ واسترداد لمكانة الشعر وخروج من عسف الأدلجة. يقدّم الدور الثوري الذي قدّمته المطبعة، في تاريخ الثقافة والفكر الإنسانيين، دليلاً أكيداً على الأدوارـ وإن لم تكن بذات السوية ـ التي لعبتها كلّ أشكال التطوّر التي أصابت أدوات الكتابة ووسائل إنتاج المطبوعات. إذ لم تكن المطبعة سوى نتيجة للعلاقة الجدلية بين السلعة وأداة الإنتاج، وبالتالي بين المستهلِك والمنتِج. وهذا ما ينسحب على الفايسبوك كحيّز من الشبكة العنكبوتية، بإضافة تُحتسب له، إذ يقوم بدوري أداة الإنتاج وعلاقة الإنتاج معاً ـ هذه حالة جديدة ـ يقول الناقد ياسر أسكيف: «في تاريخ الكتابة على مُختلف أنواعها وخصوصاً الشعر لا تبدو حصّة الأشكال الأخرى من الكتابة وافرة، ذلك أنّ حجم المادة المكتوبة من أهم العناصر التي تحكم علاقة التواصل والتلقّي». ومن الجديد في استخدام الفايسبوك أنه يلعب دوراً مُركّبا في الإنتاج الأدبي إذ تتم من خلاله وفي زمن قياسي عمليات الكتابة (كفعل ذهني) والطباعة والنشر والتوزيع والتلقي ـ يوضح أسكيف متابعاً: «نضيف إليها نتائج التلقّي عبر ردود الأفعال التي تتراوح بين التجاهل والتفاعل النقدي على مُختلف مستوياته؛ فمما بات واضحاً أيضاً هو الخدمة المجّانية التي يقدمها الفايسبوك في عمليتي الطباعة والتوزيع، وفي إلغاء دور الرقيب بأنواعه كافة، مما أعطى الثقة بالنفس للهامشيين الذين كانوا يتردّدون في عرض منتجهم الأدبي كسلعة صالحة للتداول». برأي الناقد ياسر أسكيف أن الفايسبوك ألغى أشكال السلطات الثقافية المعيارية كافة التي تتدرج من الرسمي إلى الديني مروراً بالمستقل المتمثل بالقائمين على المنابر الإعلامية والثقافية (صحف ـ مجلات ـ دور نشر) ومن اللافت بخصوص الفايسبوك أيضاً أن تجارب أدبيّة عديدة، وخاصّة في مجال الشعر، قد أثبتت حضورها الإبداعي البيّن، مع أنها لم تختبر النشر الورقي من قبل، وربّما كان صوتها سيبقى مكتوماً لولا هذه الأداة التي توفّرت لهم.غير أن البعض يعيب على الفايسبوك كوسيلة أنه يمنح فرصاً متكافئة للسويات المُتباعدة إبداعياً ـ يعقب الناقد (أسكيف) ويضيف: «أنه يفتقر إلى المعيارية التي اختص بها سابقاً القيّمون على النشر؛ الذين يحتكرون لأنفسهم كل المعايير والموازين. لكنّ هذه التجربة الجديدة في الإنتاج الأدبي، التي لا تزال في أطوارها الأولى لا بدّ أنها ستنتج نواظمها ومعاييرها الإبداعية، وكذلك النقدية، من ذاتها، على أساس العلاقة الجدلية التي تربط تفاعليّاً بين أدوات الإنتاج وعلاقاته من جهة، وبين السلعة وأدوات الإنتاج من جهة أخرى». الشاعرة والروائية نادين باخص ترى أنه بعد أن كنّا ننتظر سماع ما سيقرأه الشعراء من جديدهم على المنابر، صار علينا ترقب ما يكتبونه على صفحاتهم، ومتابعة ما تقدمه الحياة الافتراضية من أصوات جديدة. من جانب شخصي ـ تقول الأديبة السورية: «فايس بوك دمّر حبري، وجعلني عاجزة عن الإمساك بقلم والاستسلام لبياض الورقة، وحوّل أفكاري ومشاريع نصوصي إلى لمحات مقتضبة تتناسب ومساحاته الضيقة التي تشبه ساحات مطاعم الوجبات السريعة. وبشكل عام فايس بوك هو سيف ذو حدين، من جهة بات منبراً لمن لا منبر لهم، وفي الوقت نفسه صار على المتلقي تحمل وبال ما يرميه الكثيرون من نصوص لا ترقى لتكون أشباه نصوص شعرية حتى، إلا إنه كثيراً ما يكون لسلطة (اللايك) دور في توجيه انتباه الآخرين إلى هراء لا يستحقّ التوقّف عنده، في حين أنّ كثيراً من حالات شعرية تكتفي بإعجابات لا تتجاوز أصابع اليد، وتطويها (بوستات) كثيرة من دون أن تنال حقّها». في الواقع بات لأدب (الفايسبوك) مفرداته المستمدة من عالمه الافتراضي ـ تتابع نادين باخص: «بات الموقع الأزرق هاجس (اللايك) والتقييم بعدد ضغطات رمز (أعجبني) أموراً في صلب واقع الحياة الافتراضية. وكما في الواقع كذلك في الحياة الافتراضية، هنا نفتقد منبراً ورقياً حقيقياً خاصاً بالشعر وهناك بالكاد نقع على الشعر، لكن لا يمكن إلغاء أهمية الفايسبوك في تقديم أصوات كان من الصعب عليها الوصول إليك أينما كان مكانك في هذا العالم (الكبير)». وجد الفنان بطرس المعري أن هذا النوع من الأعمال محبباً كوجبة خفيفة للقارئ أو المتصفح؛ فطرح من خلالها وجهة نظره إن كانت سياسية أو اجتماعية أو حتى رياضية ـ يقول المعري معقباً: «كنت أنشر بمعدل 4 رسوم أسبوعياً تقريباً وأصبح للصفحة متابعون لا بأس بعددهم حسب ما يعطينا البرنامج من إحصائيات؛ بالإضافة إلى هذا أنشئت صفحة أخرى نشرتُ فيها أعمالاً فنية مختارة كنوع من الثقافة البصرية الموجهة لطلابي في كلية الفنون الجميلة بدمشق؛ ثم أهملتها بسبب ضيق الوقت. كذلك كتبتُ في المدة الأخيرة بعض النصوص القصيرة أو الخواطر، لنقل الشعرية أو النثرية، تكون مترافقة مع نشر لوحة من لوحاتي… هذه هي تجربتي هنا. بشكل عام». يرى الفنان المعري أن الفايسبوك بنشرته التي يقدمها، حالما نفتح الموقع، شيء شبيه بمجلة الحائط التي كان يصممها ويحررها خلال مرحلة الدراسة الإعدادية والثانوية، فموادها مؤلفة ـ كما يقول: «من كل واد عصا. إذا وعى الكاتب إلى ماهية أو طبيعة هذه المواقع، فبرأيي أن عليه، إن أراد التواصل مع (أو الوصول إلى) الشريحة الأكبر من القراء، فعليه بإعادة برمجة أفكاره ونصوصه بما يتلاءم معها ومع روادها؛ وإلا لن يُقرأ إلا من القلة وبالتالي ليس هناك من داع للكتابة هنا من الأصل، فقارئ الفايسبوك مثلا ليس قارئا تقليديا، لكن هذا لا يعني أن القارئ التقليدي لا يقرأ ما يُكتب على صفحات هذا الموقع. فالقارئ أو والمتابع (الفايسبوكي) ليس لديه الجلد على ما أعتقد لقراءة موضوعات يتجاوز حجمها بضعة أسطر، وهو هنا في غالب الأحيان شخص يريد التسلية وتمضية الوقت في كثير من الأحيان؛ أكثر من القراءة بهدف الثقافة أو المعرفة، يفضل المعلومة السريعة أو النص البسيط القصير أو الطريف».الشاعر محمد عُظيمة يتساءل: «ثم من أين كان سيأتي هذا التعبير الجميل (أدب الفايسبوك العربي)، لولا وجود الفضاء الأزرق. ومن أين كان للصحف الورقية أن تستوعب هذا الكم الكبير من الشعراء والكتاب؟. في البداية، كان الشعراء (المحترفون) والمثقفون (المحترفون) وغيرهم من أبناء مهنة الكتابة والنشر الورقي، يسخرون من (الفايسبوك) ومن رواده وشعرائه ـ يوضح الشاعر (عُضيمة): «كانوا يقولون بسخرية مملوءة بالغيرة: شعراء (الفايسبوك) ويقهقهون بعدها؛ كانوا يُشيعون أن (الفايسبوك) للصبيان والزعران وأولاد الشوارع وللعشاق الجدد، وكانوا ينفون عنه أية صفة جدية، فقط لأنه ليس ورقياً ومتاحاً مجاناً لمن يريد. ومازال بعضهم يمارس هذه المهنة، مهنة القهقهة على الشعراء (الفايسبوكيين)، لكن هذه المرة ليس علناً، بل في العتمة ويتلصص من وراء الباب على ما يكتب وينشر من قصائد ونصوص؛ وسرعان ما فهموا أيضاً أن هذا الفضاء الأزرق، الصافي كالسماء الصافية، ليس صفحة ثقافية في جريدة يملكها أحد سماسرة الورق، تكرّس هذا وتلغي ذاك، بل هو فضاء يتسع لجميع الألوان والأصوات، فضاء بلا حدود للحب والكراهية، للحرية والديمقراطية وللطغيان أيضاً؛ فلا تحتاج الكتابة فيه إلى إمضاء رئيس التحرير أو رئيس القسم إيذانا بصلاحية المادة للنشر». يقوم أدب الفايسبوك، بالدرجة الأولى على المادة الشعرية البسيطة، الموجزة الخفيفة، على التغريدات الذكية، وعلى نصوص وتعليقات أقرب إلى الشعر وروحه منها إلى أي شيء آخر ـ يعقب (محمد عظيمة) ويضيف: «حتى الشتائم المتبادلة تكاد تكون شعرية؛ لولا فظاظة بعض أولاد البوادي والرمال وصَغَارهم في النقاش. ولا مجال للمطولات، شعرية كانت أو روائية أو نقدية. لقد أشاعوا وأرادوا أن تكون الرواية هي ديوان العرب اليوم، لكن أدب (الفايسبوك) يدحض هذا القول ويعيد للشعر ديوانه المسروق أو المغتصب». أدب الفايس شعر ومن الشعر الذي يكتب لأول مرة: أغلب هؤلاء الشعراء اكتشفوا أنفسهم على الفيس بوك يقول عظيمة ويتابع: «صحح هؤلاء قصائدهم بأنفسهم على الفيس بوك، وتطوروا بسرعة مذهلة من خلال تعليقات أصدقائهم على ما يكتبون، ومن خلال نقرة الإعجاب. نعم، نقرة الإعجاب هذه ساعدت كثيراً من الشباب على تطوير نصوصهم، فصاروا يترددون في تنزيل أي نص قبل أن يكون قد استوفى ما يجلب الاعجاب».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى