اراء

تصفية القرشي.. معارك بايدن الأخيرة في العراق والشآم

 

بقلم/جو غانم..

 

“لقد أزلناه من ساحة المعركة”.

بهذه المفردات، نقل الرئيس جو بايدن لمواطنيه الأميركيين وللعالم خبر تصفية قوات الاحتلال الأميركي الموجودة في الأرض السورية زعيم تنظيم “داعش” الإرهابي، أمير محمّد عبد الرحمن المولى، الملقّب بأبي إبراهيم الهاشمي القرشي، في عمليّةٍ لم تسمح واشنطن بأنْ يصلنا من تفاصيلها سوى شذرات مشوّشة تبدو مقتبسة من فيلم هوليوودي شاهدناه حدّ الملل.

رغم محاولات حثيثة لم تنقطع يوماً منذ عقود طويلة جدّاً للترويج للغة “القيَم الأميركية” وثقافتها، لم تستطع دبلوماسية واشنطن – أو أنها لا تريد – التخلّص من مفرداتِ رعاة البقر ولكْنتهم في كلّ مرّة أرادت فيها اختراع انتصار صغير وجعله يبدو مدويّاً أمام أهل الإمبراطورية وسكان العالم، وخصوصاً حين تكون إدارتها بأمسّ الحاجة إلى شبهةِ انتصارٍ ينتشلها من أزمةٍ أو يُخلّصها من حَرج.

لقد استعار بايدن، وهو يلقي علينا النبأ العظيم، وجوه جورج بوش الابن وهيلاري كلينتون وباراك أوباما ولهجتهم ومفرداتهم حين كانوا يزفّون إلينا أخبار “إنجازاتهم” أمام بن لادن وصدّام حسين وأبو بكر البغدادي وباقي أدواتهم. وقد حاول الرئيس الذي يقف على أعتاب الانتخابات النصفية بشعبيّةٍ بلغت أدنى مستوياتها أنْ يكون حازماً وجازماً وجدّيّاً و”منتصراً”.

“لقد أزلناه من ساحة المعركة”.. من هو؟ وأيّة معركةٍ هذه؟

شكّل الانسحاب الأميركي من أفغانستان، بشكلِه المخزي، قاعدةً سياسية تحليلية استند إليها العديد من المحلّلين في المنطقة والعالم، وانطلقوا منها ليُسقطوا عليها استشرافات الوضع الأميركي في سوريا.

 

وذهب البعض بعيداً إلى حدّ توقّع انسحاب أميركي من الشمال السوري خلال أيّام أو أسابيع قليلة، رغم تصريحات أميركية متفرّقة (من يصدّق التصريحات الأميركية؟) تحدثت عن اختلاف الوضعين السوري والأفغاني وتباينهما في استراتيجية واشنطن.

لم يقدّم بايدن أيّة رؤية واضحة حول واقع الاحتلال الأميركيّ في سوريا أو مستقبله، حتى إنّه لم يعيّن مبعوثاً خاصاً للشأن السوريّ، وظلّت سياسته مائعة وخاضعة للتأويلات، اتّكاءً على تحليلات ترتكز على أولويات واشنطن في العالم والمنطقة ومدى أهمية سوريا في السياسة الأميركية الخارجية.

وفي الوقت الّذي بدأت شعبيّة الرئيس بايدن تتأكّل بعد تراكمات فشلٍ في عدد من الملفات الداخليّة، كان التنظيم الإرهابيّ بقيادة زعيمه الجديد أبو إبراهيم القرشيّ يعمل طوال السنتين الأخيرتين، وتحت نظر القوات الأميركية واستخباراتها في العراق وسوريا، على جمع صفوفه وإعادة بثّ الروح في جسده المتهالك، وبدأ الجميع يسمع أخبار تصاعد عملياته في سوريا والعراق، وصولاً إلى لحظة اقتحام السجن في الحسكة، وهي اللحظة التي كانت الإدارة الأميركية تصعّد فيها على الجبهات مع العدوّين الرئيسيين، روسيا والصين، وخصوصاً في حديقتهما الممتدة بين كازاخستان وأوكرانيا.

الأسئلة التي تطرح نفسها هنا: كيف ولماذا اختار القرشي قيادة عملية إحياء تنظيمه من ذاك البيت المحاط بكل تلك القوى الأمنية التركية، ومن قلب مربّع أمني تسيطر عليه جبهة “النصرة” الإرهابيّة التي تأتمر بأمر أنقرة؟ وهل كانت الأخيرة تعلم بوجوده بين ظهراني قواتها وفي منطقة نفوذها؟ وهل كانت واشنطن نفسها تعلم بوجوده هناك منذ البداية، وانتظرت اللحظة الأنسب لقتله، أو أنّ معلوماتٍ حصلت عليها واشنطن من بعض عناصر وقيادات التنظيم الّذين قُبض عليهم إثر عملية السجن، هي التي أوصلت القوات الأميركية إليه؟

لذلك، تكون العملية الأميركية في قلب منطقة نفوذ الاحتلال التركي رسالة إلى النظام التركيّ، وهي رسالة قد تعيد فتح ملفّ إدلب التي تحوّلت إلى مأوى لكلّ فصائل الإرهاب وقياداته في المنطقة، ما قد يدفع أنقرة إلى تقديم تنازلات أمام واشنطن في ملفّ الكرد وملفات أخرى قد تشمل الصّراع الأميركيّ مع روسيا في أوكرانيا وجوارها، لما لأنقرة من نفوذ قوميّ وسياسيّ في بلدان الحديقة الروسيّة، أو قد تدفع “رسالة إدلب” أنقرة باتجاه موسكو ودمشق.

في التقرير الاستخباري الأميركيّ السنوي للعام 2021، توقّعت دوائر الاستخبارات هناك أنْ تقوم دمشق ومحور المقاومة بتصعيد الهجمات على قواتها الموجودة في سوريا، وأنْ تقع هذه العمليات من دون أنْ يتبنّاها أحد.

صحيح أنّ محور المقاومة لم يتبنّ بشكلٍ رسميّ أيّاً من تلك العمليات التي بدأت بالتصاعد انطلاقاً من أوائل العام الماضي، لكن يعرف الجميع من يطلق الصواريخ على قوات الاحتلال الأميركيّ، ومن يُسيّر المسيّرات التي باتت تُشكّل رعباً لهذا المحتل، فالقرار بمواجهة الأميركي في سوريا وتكثيف العمليات على قواعده اتّخذ ولا رجعة عنه حتى جلاء آخر جنديّ محتل. هذا الأمر ينطبق على إدلب أيضاً، التي لها ترتيبات أشدّ تعقيداً من مسألة طرد جنود “الإمبراطورية” الأميركيّة.

وقد بدأت سماء المقاومة تشهد هطولات الخير، ولن يستطيع بايدن تحمّل رؤية جنوده عائدين “أفقيّاً” إلى البلاد، وهو، إنْ نجا من الانتخابات النصفية، فإنّه قد لا ينتظر طويلاً حتى يسمع اسمه في خطاب للرئيس السوريّ أو السيد نصر الله يردُ في معنى الطّرد:

“لقد أزلناهُ من ساحة المعركة”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى