اراء

واشنطن تردّ وترفض وترمي الكرة مجدداً في الملعب الروسي

 

بقلم/ميشال كلاغاصي..

 

على وقع التَّصعيد السياسي الصّاخب، والتصعيد العسكري الكبير وغير المسبوق على الحدود الأوكرانية، وفي عددٍ من دول المعسكر الأطلسي ومعسكر الفضاء الروسي الحالي، ومن خلال التصريحات المتبادلة، هيّأ العالم نفسه لاندلاع حربٍ عالمية بامتياز.

وما بين الروايات الثلاث، الروسية والأميركية والأوكرانية، وضجيج حلف الناتو والاتحاد الأوروبي المختلف عن الضجيج الأوروبي لدوله، كانت موسكو قد أحرجت واشنطن والناتو، ونشرت مسودات التفاهمات معهما، كلٌّ على حدة، وتقدَّمت بوثيقة مكتوبة للضمانات الأمنية، وطالبت واشنطن بردٍّ مكتوب، طلب الوزير بلينكن مهلتين من أجله.

وقد التزمت بلاده بالمهل، وأرسلت ردَّها المكتوب، بالتوازي مع استعار حرب التحالف السعودي وعدوانه الغاشم على اليمن، ووسط مسرحية العصيان الداعشي والفرار من السجون الأميركية بحراسة “ميليشيا قسد”، لإعادة إحياء التنظيم في سوريا والعراق، على وقع الدوريات الجوية السورية الروسية من الجولان إلى الفرات، والتي هزّت “تل أبيب” وقاعدة التنف الأميركية، بالتوازي أيضاً مع مفاوضات الملف النووي الإيراني في جنيف.

كلّ ذلك بعد أيام على فشل انقلاب “الثورة الملونة” المدعومة من خارج الحدود، والتي نجت منها كازاخستان بأعجوبة، بفضل موسكو والدول الموقّعة على معاهدة الأمن الجماعي.

وفي الأيام والساعات التي سبقت وصول الردّ الأميركي، شهد العالم استمرار المعارك الإعلامية والسياسية وحروب التصريحات والرسائل المتبادلة، والتي جاء بعضها بنكهة الحسابات الدقيقة، إذ وعدت بولندا بأنَّها لن تشارك بجندي واحد في حال اندلاع الحرب، وعلا الصراخ الألماني بأنَّ “العقوبات على موسكو تضرّ بالاقتصاد الألماني”، فيما حملت أقلام الكتاب والصحافيين كماً هائلاً من التحليلات والتوقعات، ورصدت وصف الوزير بلينكن تحرك القوات الروسية باتجاه حدود بلاده بـ”العدوان الروسي”، لكنه لم يسلم من انتقاد المتحدّثة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا وسخريتها، بقولها في قناتها في “تلغرام”: “ناقش بلينكن العدوان الروسي على حدوده مع زميلته البريطانية ليز تروس. وقد اتضح أننا هاجمنا أنفسنا. نحن عدوانيون بشكل ماكر داخل حدودنا“.

كذلك، سخر الوزير لافروف من تصريح الأمين العام للناتو بأنَّ “الحلف لا يسعى إلى التفاوض مع موسكو”، بقوله: “لم آخذ تصريحاته في الاعتبار منذ فترة طويلة… وفي رأيي، فقد الرجل الاتصال بالواقع فعلياً”، في وقتٍ شدّد الوزير لافروف، في حال فشل المفاوضات الأمنية، على قدرة بلاده على ضمان مصالحها الأمنية وحقوق مواطنيها، وأكد الرئيس بوتين “اتخاذ روسيا قراراً يأخذ في الاعتبار جميع العوامل، وفي مقدمتها ضمان أمنها“.

وتوعَّدت واشنطن موسكو والرئيس بوتين بعقوبات شديدة، محذرةً من أنها لن تقف مكتوفة الأيدي، وسارعت إلى تهدئة روع حلفائها حيال تأمين نقاط لتغذيتها وإمدادها بالغاز في حال أوقفت موسكو إمدادها به، ناهيك بضخ مبالغ طائلة في الداخل الأوكراني، واستجرار الأسلحة وتعيين نقاط تمركزها، مثل من يتوقَّع الحرب كخيارٍ وحيد.

وقد سارعت الولايات المتحدة إلى إجلاء دبلوماسييها وعائلاتهم وموظفي الخدمات المدنية الأميركية من كييف، تحت عنوان أطلقه الرئيس جو بايدن بنفسه، هو “الغزو الروسي الوشيك”، وطالب مسؤول كبير في الخارجية الأميركية المواطنين الموجودين في أوكرانيا بالتخطيط للمغادرة وباستخدام الخيارات التجارية (على نفقتهم الخاصة).

ويبقى السّؤال: كم تبدو واشنطن حريصة على مواطنيها باستخدامها إشاعة الخوف وتأكيد وقوع الحرب في قلوب الأوكران والأوروبيين؟ لكنَّ الاتحاد الأوروبي أخفى غضبه خلف كلام المتحدّث باسمه جوزيب بوريل، بأنه “سيستطلع من بلينكن سبب إجلائهم الدبلوماسيين الأميركيين وعائلاتهم”، وأردف كلامه بالقول: “لن نفعل شيئاً من هذا القبيل. لن يغادر الدبلوماسيون الأوروبيون كييف“.

بعد تأكيد وزارتي الخارجية الروسية والأميركية تسليم واشنطن ردّها المكتوب، خرج الوزير أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي، أهم ما جاء فيه: “سلّمنا ردودنا بالتنسيق الكامل مع أوكرانيا وشركائنا الأوروبيين، ونتوقَّع متابعة النقاش مع الوزير لافروف. أبلغنا موسكو بأنَّ لكييف الحرية في اختيار حلفائها، والأمر يعود إلى روسيا في اتخاذ قرارها بكيفية الرد، ونحن جاهزون لكل الاحتمالات. لن نقف مكتوفي الأيدي إزاء التصرفات الروسية. أبواب الناتو ستبقى مفتوحة أمام الراغبين في الانضمام. الولايات المتحدة ملتزمة بتقديم الدعم والمساعدة لأوكرانيا في حال اختارت روسيا الهجوم عليها، وستدفع ثمناً باهظاً“.

من الواضح أن الولايات المتحدة رفضت مطالب روسيا، ورفعت مستوى التصعيد الإعلامي، وهي تعتقد بأنها، بمجرد تسليم ردها، تكون قد رمت الكرة مجدداً في الملعب الروسي، وخصوصاً الرئيس بوتين، وحاولت التركيز على شخصه، كما لو أنه “الديكتاتور” الروسي الذي سيقود العالم نحو الحرب أو السلام.

هذا السّلام الذي تعنيه أميركا هو الاستسلام بعينه لزحف الناتو نحو روسيا، وتخطّي مصالحها الأمنية وضمان أمن مواطنيها، ومحاصرتها بدول الفضاء الروسي بعد صبغها بألوان الناتو وبالعلامات “التجارية” لملاهي لاس فيجاس، غير آبهة بما قد تؤول إليه الأمور، فهي تقاتل بحلفائها، وعندما تفوز.. تفوز وحدها.

لكنَّ روسيا وخارجيتها ورئاستها، وقد تلقَّت الرد ورفض مطالبها من قبل واشنطن التي “لن تقف مكتوفة الأيدي”، والناتو “الذي يستعد للأسوأ”، تبدو الآن بصدد دراسة جميع الآراء، بدءاً من الحكومة ومجلس الدوما والعديد من الأحزاب الروسية، إضافةً إلى المشاورات التي ستجريها مع أهم حلفائها، لتضع حصيلتها أمام الرئيس بوتين الَّذي سيتخذ القرار الروسي المناسب كرجل دولة حقيقي، وليس كـ”ديكتاتور” تحاول واشنطن حصر قرار الحرب – إن اتخذ – بشخصه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى