إعادة تأسيس الهياكل الدولية من توازن القوى «روسيا والصين وإيران» إلى توازن الضعف «الإثنية والطائفية» واشنطن تفقد الضبط والسيطرة

لم يعد موضع جدل كبير كيف استغلت إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة لبدء دورة جديدة من إحدى أكثر دورات النزعة التدخلية الأمريكية في الشؤون الدولية عنفا وتكلفة تلك الحقبة، التي شهدت غزو بلدين من بلدان ما عرفته الدبلوماسية الأمريكية بـ»الشرق الأوسط الكبير» أفغانستان في 2001، والعراق في 2003، واحتلالهما، عرفت تأييد التيار المعروف بـ «الدوليين الليبراليين»، وكان من أبرز رموزه في تلك المدة رئيس الوزراء البريطاني، آنذاك، توني بلير، للتوجهات التدخلية والتوسعية للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة جاء هذا التأييد متعارضا بشكل واضح ومثير مع ما هو مشهور في فضاء التعريفات السياسية من تباين كلا التيارين في توجهاتهما والقوى السياسية التي تعبر عنهما تقليديا في الولايات المتحدة, تباين في التوجهات مرده إعلاء «الدوليين الليبراليين» من نشر القيم الليبرالية، والديمقراطية، وحرية الأسواق في مختلف بلدان العالم بعدّها أهدافا أساسية ينبغي أن تتقيد بها الدول في سياستها الخارجية، وفي علاقتها مع الدول الأخرى، حتى إنهم يبررون التدخل الدولي لإعلاء تلك القيم بينما في المقابل، يعلي تيار المحافظين الجدد الأمريكي من غايتي تحقيق مصالح الولايات المتحدة، والحفاظ على هيمنتها الدولية بعدّهما الأولوية الرئيسية لأي سياسة خارجية أمريكية, بينما يرجو «الدوليون الليبراليون» أن يعزز التزام دولي بالعمل على نشر تلك القيم عالميا تأسيس هياكل دولية تدفع نحو بروز نظام دولي ليبرالي وديمقراطي يشهد تمثيلا متوازنا وعادلا لمختلف أطراف هذا النظام ومصالحها، فإن «المحافظين الجدد»، في المقابل، لا يرون بأسا أو حرجا في تجاهل عدالة تمثيل مصالح الأطراف الدولية الأخري ورؤاها، إذا ما تعارضتا مع مصالح الولايات المتحدة أو هيمنتها ولا تمثل ديمقراطية العلاقات الدولية بأي حال إحدى أولويات هذا التيار أو همومه. ويميل “المحافظون الجدد” إلى التغافل والتجاهل، عن قيم الليبرالية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، إذا ما كان من شأنها التقيد بأي من تلك القيم في مسألة من مسائل العلاقات الدولية تعريض مصالح الولايات المتحدة أو هيمنتها للخطر وكان من الطبيعي والمنطقي أن يقود هذا التباين المبدئي في الغايات إلى تباين القوى السياسية التي تعبر عن أفكار كل من التيارين، وتدافع عنها في النظام السياسي الأمريكي إذ غالبا ما تم ربط تيار “الدولية الليبرالية” بالحزب الديمقراطي الأمريكي، بينما أضحى الكثير من منظري المحافظين الجدد والمنتمين له شخصيات سياسية فاعلة ومؤثرة خلال كل الإدارات الجمهورية التي توالت على رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، منذ سبعينيات القرن العشرين ورغم تعهد جورج بوش الابن، خلال حملته الانتخابية في عام 2000، بعدم استخدام القوة الأمريكية دفاعا عما سماه “القيم المتعالية”، أو إعلاء لها، على غرار ما حدث على نحو محدود ولكن متكرر إبان ولاية سلفه الديمقراطي بيل كلينتون، فإن ما جمع هذين التوجهين المتعارضين مبدئيا هو سعي الإدارة الأمريكية لاستغلال مقولات الدولية الليبرالية لمنح التوسع في النزعة التدخلية الأمريكية غطاء أخلاقيا يبرر استخدام القوة العسكرية الأمريكية لإحداث تغيير سياسي في بعض الدول والمناطق المستهدفة حول العالم وفي إطار محاولة توفير بناء نظري لتلك النزعة، عدّ وجود نظم استبدادية وغياب الديمقراطية في عدد من بلدان الشرق الأوسط هما العاملان الأساسان وراء انتشار التطرف وبروز تنظيمات إرهابية لم تعد تستهدف فقط الأنظمة الاستبدادية في تلك البلدان، ولكن القطب الأمريكي الذي يسمح بوجود تلك الانظمة واستمرارها، إن لم يكن يدعمها كذلك وبالتالي، باتت إطاحة تلك الأنظمة أحد شروط نجاح الحرب على الإرهاب التي أعلنتها إدارة بوش الابن، عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر لم تكن غاية إدارة بوش الابن من انتحال مقولات تيار “الدولية الليبرالية” لتبرير تدخلها الدولي مجرد إزالة مصادر تهديد فعلية، أو حتي متصورة، في ضوء مذهبها الذي طورته عن الحرب الاستباقية، ولكنها كانت، من وراء ذلك كله، تستهدف تبرير احتلالها عددا من الدول التي تحقق أهدافا استراتيجية بحسب رؤية المصالح الامريكية آنذاك، وتغيير أوضاعها السياسية الداخلية، وأدوارها الإقليمية بما يتواءم مع تلك المصالح, تمت إدارة عملية التغيير تلك من خلال عدة برامج حملت مسميات تتوافق مع منظومة القيم المنتحلة مثل: نشر الديمقراطية، أو إعادة الإعمار، أو إعادة بناء الدولة، انتهاء إلى مكافحة التمرد، ومعركة كسب العقول والقلوب في المراحل الأخيرة من الوجود الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان، بعدما ثبت فشل كل البرامج السابقة في تحقيق أهدافها المعلنة من تأسيس لأنظمة ديمقراطية، أو إعادة بناء، فضلا عن أن تكون ديمقراطية، للدول التي تم غزوها ومؤسساتها بل وبعدما ثبت أن هذا التدخل لم ينجح حتى في ضمان المصالح الأمريكية أو تعزيزها، بل جعلها موضع تهديد متزايد، وجعل الولايات المتحدة في دائرة الضغط والمساومة من أطراف إقليمية ودولية عدة، أمكنها تحدي الوجود الأمريكي في هاتين الدولتين، وتحويله إلى عامل استنزاف للموارد الأمريكية، ولصورة الولايات المتحدة ومكانتها كقوة عظمى، وقائد للنظام الدولي قادر على ممارسة الضبط والسيطرة, جراء دورة التوسع التدخلي الأمريكي خارجيا تلك، تبينت النخبة السياسية الأمريكية، من جمهورية وديمقراطية، أن محاولة استدعاء ميراث بناء الإمبراطوريات بمعناها التقليدي، وإعادة إنتاجه، من خلال السيطرة المباشرة، واستخدام القوة العسكرية، وانتحال نظرية مثالية على غرار “رسالة الرجل الأبيض”، لم تعد فقط أمرا عسيرا للغاية في عالم اليوم، وحتى في أشد مناطقه ضعفا وتهاويا، ولكنه أضحى السبيل الأيسر لاستنزاف أي قوة دولية، ورفع سقف المخاطر في مواجهتها ومع تعدد العوامل التي أفضت إلى ذلك الإخفاق، والتي يقع في مقدمتها النسق الإدراكي المغلق الذي هيمن على المحافظين الجدد، خلال السنوات الست الأولى من ولاية جورج بوش الابن، في ترجمة جلية لمقولات المدرسة البنيوية “Constructivism”، التي ترى أن القضية الأمنية هي مسألة إدراكية بالأساس، فقد كان لحقبة جورج بوش الابن تأثيرات مهمة في البيئة الأمنية العالمية، والسياسات الدفاعية، وسياسات التسلح، ليس فقط على مستوى الولايات المتحدة، ولكن حول العالم بأسره ويمكن إجمال أبرز تلك التاثيرات في تعزيز التوجه نحو دعم وتوسعة القوة العسكرية لدى الدول والقوى المراجعة حول العالم، خاصة كلا من روسيا، والصين، وإيران وبالطبع، فإن تلك الدول الثلاث كانت تتبني برامج تحديث عسكري يعكس طموحها في تبوؤ مكانة دولية وإقليمية متميزة، وتتيح لها حماية مصالحها الآخذة في الاتساع والانتشار، مع تنامي قوتها الاقتصادية إلا أن نموذج الغزو الأمريكي، والاقتراب الأمريكي العسكري الاستراتيجي من حدود كل من الدول الثلاث دفعا برامج التسلح تلك دفعا كبيرة إلى الامام من أجل بناء قوة ردع في مواجهة أي تهديدات أمريكية, ويلاحظ أن الإنفاق العسكري الأمريكي، مقوما بالأسعار الثابتة لعام 2011، تزايد بشكل كبير ومنتظم، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، حتي بلغ ذروته في عام 2010 ليسجل 720 مليارا و282 مليون دولار، ليبدأ بعد ذلك التاريخ يشهد تراجعا متواصلا كذلك، وسجل هذا الإنفاق في عام 2013 أكبر انخفاض منذ عام 1991، حين تراجع من 671,097 مليار دولار في عام 2012، إلى 618,681 مليار في عام 2013 وبقدر ما يرتبط هذا الانخفاض بخفض الانخراط الأمريكي العسكري المباشر في صراعات عنيفة في الخارج، فإنه يشير لتحولات أساسية في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية, أما على الصعيد العالمي، فيلاحظ أن اتجاها مماثلا لمسار الإنفاق العسكري الأمريكي شهده الإنفاق العالمي، مقوما بالأسعار الثابتة لعام 2011 كذلك لكن اللازم الانتباه إليه في هذا السياق يتمثل في أن معدل انخفاض الإنفاق العسكري الأمريكي، الذي بلغ نحو 14 بين عامي 2010 و2013، يزيد بفارق جوهري عن معدل الإنفاق في الإنفاق العسكري العالمي، والذي يتراوح حول2,5 ، خلال الفترة نفسها وفي الواقع، فإن الإنفاق العسكري العالمي كان ناجما عن خفض الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة والدول الغربية، بينما كان يتزايد في بقية دول العالم بعبارة أخرى ساهمت النزعة الإمبراطورية للمحافظين الجدد في الدفع نحو عسكرة العالم ورغم تراجع هذه النزعة أمريكيا، فإن تداعياتها فيما يتعلق بعسكرة العالم لا تزال تكتسب زخما, اضافة الى إطلاق قوى الطائفية والصراع الإثني في منطقة الشرق الأوسط، والذي بات تأثيره يتجاوز حدود المنطقة، ويلقي بآثاره على نطاق عالمي وفي الواقع، فإن خبرة الإدارة الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق لم تنحوا إلى محاولة بناء ديمقراطية ليبرالية تتجاوز الانقسامات الإثنية والطائفية، وتكرس مفهوم المواطنة، بقدر ما سعت إلى اللعب على ورقة التنافس الإثني والطائفي بين مكونات الشعبين الإيراني والعراقي، في محاولة لأن يساهم هذا التنافس في ازدياد طلب القوى المحلية في كلتا الدولتين على الوجود الأمريكي ولكن تلك السياسة أتت بآثار عكسية تماما، حيث جرى استغلالها من قبل أنظمة إقليمية لرفع حدة الصراع الطائفي بما يتجاوز قدرة الولايات المتحدة على إدارته وضبطه ليصبح عامل استنزاف لها من جهة، وبما يعزز من نفوذ تلك الأطراف إقليميا لضمان استمرار الاحتياج الأمريكي لها في إدارة الصراعات الإثنية المعقدة، من جهة أخرى.بسبب الطبيعة الإنتقائية للحرب الأمريكية على الإرهاب … إنتشار الإرهاب المحلي
«الأخطر» بدلاً من الشبكيأدركت الولايات المتحدة أن عبء تلك الصراعات “حروب الشرق الاوسط”، وما يترتب عليها من مساومات إقليمية، بات، من جهة، غير مبرر من منظور العائد بالنسبة لضمان المصالح الأمريكية، بل وبات، من جهة أخرى، عامل خصم وتهديد لتلك المصالح وقيدا على حرية الحركة الأمريكية لكن التأثير الأخطر هو في الكشف عن تهافت دعاوي “الدولية الليبرالية” الخاصة بتعزيز القيم الليبرالية التي حاول التدخل الأمريكي التستر خلفها، مما وضع القيادة الأمريكية للنظام الدولي بأسره في موضع توجس وحذر، بل ومراجعة متزايدة لذا، جاء القرار الأمريكي بالانسحاب من كلتا الدولتين لمحاولة وقف نزف الخسائر المادية والمعنوية في آن واحد، لكن بقيت طاقة الصراع الطائفي التي تم تحفيزها تتفاعل لتخلق واقعا أمنيا جديدا يشمل عدة تهديدات جسيمة، لعل أبرزها: تزايد احتمال انهيار عدد من دول المنطقة، وخلق مناطق فراغ أمني وسلطوي تعزز انتشار التنظيمات الإرهابية، وتفجر أزمة لاجئين حادة تجاوزت حدود المنطقة لتصل إلى القارة الأوروبية، وتلقي عبئا سياسيا وحضاريا جسيمين، فضلا عن الأعباء المادية، على دول القارة العجوز, اضافة الى تفاقم الخطر الإرهابي، واتساع مجال انتشاره, إذ رغم الضربة القاصمة التي أمكن توجيهها لتنظيم القاعدة في أفغانستان، وصولا إلى تصفية مؤسس التنظيم، أسامة بن لادن، في باكستان 2011، فإن احتلال الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق كان محفزا على انتشار الإرهاب ذي الطبيعة المحلية بدلا من الإرهاب الشبكي الذي مثلت القاعدة نموذجه الأخطر, ويمكن تحديد ثلاثة عوامل أسهمت في هذا الانتشار, اهمها, الطبيعة الجزئية والانتقائية للحرب الأمريكية على الإرهاب، مما سمح للعديد من القيادات الإرهابية بالانتقال سريعا إلى مناطق هشاشة أمنية أخرى خلافا لأفغانستان عبر الإقليم، وبدء تشكيل بؤر إرهابية محلية, وتنامي حجج التيارات الجهادية مستغلة الوجود الأمريكي في إعادة رسم صورة لصراع “إسلامي- مسيحي” واستدعاء ميراث الحروب الصليبية، مما أثر في قطاعات واسعة، خاصة الشباب المحبط، والجماعات الإثنية التي تضررت من الإدارة الأمريكية الطائفية للتغيير السياسي في العراق وأفغانستان, واستغلال أجهزة استخبارات إقليمية وما وراء إقليمية لهذا الانتشار الإرهابي كإحدى أدوات إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، بل والخريطة الجيوسياسية للمنطقة، مثلما برز بوضوح في حالة سوريا، وبدرجة أقل في ليبيا، وشبه جزيرة سيناء في مصر, خلق هذا الواقع الأمني الهش، والمحمل بالتهديدات التقليدية وغير التقليدية على السواء، حافزا إضافيا على تبني برامج تحديث عسكري يمكنها الاستجابة لأنماط التهديد الجديدة والتقليدية على السواء, ففي كانون الثاني من عام 2012، أصدر الرئيس الأمريكي باراك أوباما توجيها استراتيجيا أعاد فيه تكرار الأهداف الرئيسة التي تمثل جوهر استراتيجية الأمن القومي الحديثة، وهي: هزيمة القاعدة، وردع القوى المعتدية التقليدية، واحتواء التهديد الذي يمكن أن ينتج عن أسلحة غير تقليدية لكن أوباما تعهد في هذا التوجيه ذاته بخفض ميزانية الدفاع الأمريكية بنحو 485 مليار دولار على مدى نحو عشر سنوات من ذلك التاريخ، كما تعهد أوباما بألا تستخدم القوات الأمريكية في تنفيذ عمليات حفظ استقرار ممتدة وواسعة النطاق، في إشارة للاحتلال الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق ومع ثبات الرؤية للتهديدات القائمة أمام السياستين الخارجية والدفاعية الأمريكيتين، يؤكد أن وزن الأداة العسكرية في القيادة الأمريكية للعالم، وفي تحقيق غايات سياستها الخارجية، سيشهد تحولا مهما لمصلحة أدوات أخرى، واقترابات مغايرة في إدارة تلك السياسة, وكان احد مصاديقها هو ضهور “عناصر المرتزقة” التي تنفذ العمليات العسكرية، وتستعرض القوة، والمقاولين العسكريين الذين يضطلعون بمهام تدريب وتطوير قدرات الجيوش والقوات الأمنية وثمة نوع اخر يتمثل في الشركات التي تقدم الخدمات العامة، على غرار الخدمات اللوجيستية، والصيانة، والنقل، والبناء، والخدمات غير القتالية الأخرى التي لا ترتبط مباشرة بالعمليات القتالية, يقول “ماكفيت” خبير الشؤون الامنية أن الطلب على تلك الخدمات العسكرية والأمنية المتنوعة ارتهن بعاملين جوهريين، أولهما: طبيعة الأزمات التي يواجهها المجتمع الدولي، وتعويل الكثير من الفاعلين على الحلول العسكرية في تسوية المشكلات وتجلي هذا الأمر كثيرا في نمط إدارة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع العراق وأفغانستان, ومع تطورات الحربين، تزايد اعتماد الولايات المتحدة على الشركات الخاصة في العمليات العسكرية هناك، خاصة مع الاعتقاد المسيطر على القيادة الأمريكية آنذاك بأن الشركات العسكرية الخاصة ستساعد الولايات المتحدة في توسيع وجودها العسكري بوتيرة متسارعة وبتكلفة أقل ويدلل “ماكفيت” على هذا الأمر بالإشارة إلى تعاقد إدارة جورج دبليو بوش مع نصف المقاتلين في العراق من الشركات الخاصة، فيما وصلت نسبتهم في أفغانستان إلى 70٪.إنتهاج سياسة الإحتواء … تراجع الخيار الإمبراطوري الأمريكي المكلف لتغيير جوهري في المعطيات الجيواستراتيجيةما تكشف عنه خبرة الإدارة الأمريكية لعدد من الصراعات، خلال السنوات الثلاث الماضية، منذ إصدار توجهها الجديد، يبدو أن تلك الأدوات والاقترابات تشمل, التخلي عن سياسة الضربات الاستباقية لمصلحة استعادة سياسة الاحتواء التي حاولت الإدارة الأمريكية تنفيذها بدرجات متفاوتة من النجاح في اجتياح العراق، و محاولة محاصرة إيران الاسلامية قبيل توقيعها اتفاق التسوية النووية, إلا أن هناك شكوكا كثيرة حول نجاعة هذه السياسة، خاصة في مواجهة القوى الدولية المراجعة الرئيسة، سواء بالنظر للدعم المتبادل المحتمل بين هذه القوى، أم بسبب هشاشة موقف الحلفاء الأوروبيين الذين تتداخل مصالحهم بشكل معقد وكبير مع كل من روسيا والصين, يضاف الى ذلك محاولة خلق توازنات إقليمية بديلا عن التدخل الأمريكي، أو محاولة انتهاج سياسة الاحتواء، حين تكون عالية التكلفة، بل وخطرة، بالنسبة للمصالح الأمريكية ولعل النموذج الأوضح لذلك هو الحالة الصينية، التي يصعب على المعسكر الغربي استهدافها بعقوبات مماثلة لتلك التي تم فرضها على روسيا ويبدو أن الخيار الأمريكي يتمثل في هذه الحالة في تعزيز القدرات العسكرية للقوى الإقليمية للحيلولة دون أن ترضخ لهيمنة القوة العسكرية الصينية النامية، وتعزيز الوجود البحري والجوي الأمريكي لردع أي نزعات توسعية صينية بعبارة أخري، تنحو الولايات المتحدة إلى خلق نحو من توازن القوة يحول دون أي محاولة لتغيير جوهري في المعطيات الجيواستراتيجية في تلك المنطقة, نموذج آخر لسياسة التوازن تلك، يتمثل في محاولة خلق نوع من أنواع توازن الضعف بين المكونات الإثنية والطائفية المعقدة في الشرق الأوسط، بحيث لا يتمكن أحدها من فرض هيمنته على المنطقة وفي كلتا الحالتين، يبدو أن السياسة الأمريكية تحاول الحفاظ على الوضع القائم، من خلال تحييد أي فرص لتثويره لكن هذا الخيار لا يخلو من مخاطر جسيمة، حيث قد يدفع بعض الأطراف الطامحة في إطار شبكة التوازنات تلك إلى انتهاج سياسات تحاول تثوير هذا الوضع في أي لحظة مستقبلا, وهي ايضاً تحاول دعم حلف الناتو، وتعزيز قدرة الحلفاء الأوروبيين على لعب بعض الأدوار الأمنية، خاصة في مناطق الاضطراب والصراعات المجاورة من الفضاء الأوروبي وتضغط الولايات المتحدة على العديد من الدول الأعضاء في حف الناتو للالتزام بالحد الأدنى الذي تفرضه العضوية في الحلف للإنفاق العسكري، وهو 2 من الناتج المحلي الإجمالي لكل منها ويبدو أن نجاح تلك الدول في بلوغ هذا الحد لا يزال يبدو بعيدا، خاصة في ظل تعثرها المالي، وضعف معدلات نموها الاقتصادي وباستثناء فرنسا وإنجلترا، اللتين تواجهان تحديات أمنية وإرهابية متزايدة، نتيجة اضطرابات الشرق الأوسط، واللتين تمتلك صناعتهما الدفاعية كذلك فرصا مهمة للتوسع في تلك المنطقة، فإن بقية الدول الأوروبية جميعها الأعضاء في الناتو يقل إنفاقها الدفاعي عن هذا الحد, يبدو من الجلي أنه في ظل ارتفاع تكلفة الخيار الإمبراطوري وأعباء التدخلات العسكرية المباشرة، مثلما بدا في عهد بوش الابن، وفي ظل عجز النخبة السياسية الأمريكية عن اتخاذ قرار استراتيجي بالتحول نحو تأسيس حكومة عالمية متوازنة التمثيل لمختلف القوى الدولية، فإن خيار الحفاظ على الوضع القائم، واحتواء مخاطر تفجره سيظل هو السياسة الأمريكية في الأمد المنظور، حتي حدوث تحول دراماتيكي في قوة طرف أو عدة أطراف دولية صاعدة وحينها، فإن العالم سيقف على عتبة صراع يبدو أن القوة العسكرية الأمريكية تتحسب له، من خلال امتلاك قدرات عسكرية بعيدة المدى بأكثر من امتلاك قوات تقليدية ضخمة الحجم, من خلال فحص برامج التحديث العسكري لدى عدد من الدول الرئيسة المنتجة لمنظومات سلاح حديثة وقادرة على إحداث فارق جوهري في طبيعة الحروب، وأساليب خوضها و بيان ما يمكن لتلك البرامج من تأثير في القدرات الاستراتيجية لكل من هذه الدول، وقدرتها على تعزيز نفوذها الإقليمي أو العالمي، والقيام بالوظائف الأمنية الرئيسة التي يتعين عليها النهوض بها.




