هادي عباس.. النحات الحالم بإقامة نصب ألف ليلة وليلة في بغداد

المراقب العراقي /رحيم يوسف..
هادي عباس فنان هادئ في غلافه الشخصي والاجتماعي كأنه سماء صافية لا تلجها رياح ولا سحب، ولكن، عند ولوجنا الى تكوينه النفسي والفني والثقافي اكتشفنا أنه مُمْتَلِئٌ حد الاحتقان بالأفكار والمشاريع الفنية والعواطف الجياشة.
يُعد الفنان هادي عباس من الفنانين الذين واظبوا على تجاربهم بإخلاص شديد للفن لسنوات طويلة، منذ تخرجه في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1967 وحتى الآن. وكان قد تدرب في سنته الأولى على الخزف على يد الفنان القبرصي الكبير فالانتينوس، مؤسس قسم الخزف في الأكاديمية، قبل أن ينتقل إلى قسم النحت ويتتلمذ على يد النحات الكبير محمد غني حكمت، ويزامله ويعمل معه لاحقًا.
وشارك عباس مع مجموعة من النحاتين في تأسيس «جماعة ألوان للنحاتين العراقيين»، إلى جانب الراحلين النحات اتحاد كريم والنحات عبد الرحيم الحسان، وكذلك النحات ليث فتاح الترك والنحات خالد المبارك. كما أسس أول جمعية للخزف في بغداد. وقد أبدع في مختلف اختصاصات الفن التشكيلي، من نحت وخزف ورسم، بالفاعلية ذاتها وبإمكانيات أدائية متطورة. وأقام ثلاثة معارض شخصية، فضلًا عن مشاركاته العديدة في المعارض الجماعية والمشتركة داخل البلاد وخارجها، وله الكثير من المقتنيات في أماكن مختلفة، وما زال يمارس عمله بهمة الشباب.
وفي السياق أقامت منظمة نخيل عراقي، أمسية ثقافية فنية في مقرها الكائن بمنطقة الوزيرية في بغداد، وذلك تكريمًا للفنان التشكيلي العراقي هادي عباس. وعلى الرغم من روعة المبادرة وأهميتها، فإن الأمسية عانت بعض الأخطاء التنظيمية التي كان من الممكن تلافيها.
وبرأيي الشخصي ستكون الأمسية أكثر نجاحًا لو تم تلافي بعض الأمور التنظيمية، ومنها اختيار مقدم الأمسية، الشاعر حسين المخزومي، الذي بدا أنه يجهل تمامًا تأريخ الفنان، فتاه في المقدمة في نوبة طويلة من المديح لاتحاد الأدباء وللمنظمة، وبصورة مبالغ فيها. وكان من المفترض أن يتولى تقديم الأمسية شخص يعرف تأريخ الفنان وموقعه في الوسط التشكيلي، وأن يُعد مجموعة من الأسئلة بوصفه محاورًا للحديث معه، حتى لو أُعدت هذه الأسئلة من قبل متخصص، أو جرى التنسيق بشأنها مع الفنان قبل إقامة الجلسة. فهذا أمر مهم جدًا في أي فعالية يُستضاف فيها فنان تشكيلي، لكي تؤدي الجلسة أغراضها المتوخاة، ولا سيما بالنسبة إلى الجمهور الحاضر، وخصوصًا من لا يعرف تأريخ الفنان وتجربته.
وبعد محاورة المقدم للفنان، فُتح باب المداخلات، وشاركت في الحديث مجموعة من الحاضرين عن تجربته، وفي مقدمتهم النحات نداء كاظم، والدكتور سمير الموزاني، والنحات رضا فرحان، إضافة إلى الأستاذ مجاهد أبو الهيل، رئيس المنظمة، الذي أبدى إعجابه بالفنان وعمله المتواصل في مجال الفن وإسهاماته الكبيرة فيه. كما عرّج على دفاعه عن الفنان نداء كاظم في المؤتمر الصحفي الذي أُقيم في المنظمة حول تمثال محمد مهدي الجواهري، وكأن الجلسة امتداد لذلك المؤتمر.
والمفارقة الغريبة أن الأستاذ هادي عباس ابتدأ هو الآخر بموجة من المديح والإعجاب بالفنان نداء كاظم ومنجزه الفني، وتطرق إلى موقفه المدافع عنه. غير أن نداء كاظم بدا وكأنه يستحضر حادثة قديمة مع هادي عباس، تمثلت في ذهاب الأخير إليه حين أسس جمعية الخزف، فأعطاه غرفة محطمة ليعيد تأهيلها ويعمل فيها، لكنه تركها وغادر.
وجدناه ذاتا عاصفة كالإعصار بالطاقات الفنية والفكرية التي كَبَتَتْها فيه ظروف قاسية سياسية واجتماعية وشخصيات سادية كانت جزءا من مرحلة تتلمذه.. مع كل هذا الكبت والتغييب والضغوط، إلّا أنها لم تنلْ من آماله وطاقاته وأحلامه. ولم تحد من رغبته وموهبته الفنيتين اللتين صاحبتاه مذ كان طفلا صغيرا يلعب بالطين قرب أبيه الذي ظل يحمل جينات اجداده السومريين في حبهم للطين، والتدوين بهذا الطين نمط حياتهم وتأريخهم وإبداعاتهم.
أما عن سبب عدم صعوده الى “سماء الشهرة” كان يقول : إن هذه القضية تنطوي على الكثير من الظروف والحالات الخاصة والعامة , وقد يكون أبرزها الثمن المدفوع مقابل الشهرة . الثمن الذي لم أرغب بدفعه مرة أو لا أستطيع دفعه مرة أخرى .. الجميع يعلم أن شهرة الفنان العراقي في الداخل ايام النظام السابق كان ثمنها تمجيد السلطة الدكتاتورية الحاكمة أولا، ومن ثم الانسجام والتماهي مع ثقافة تلك السلطة، التي تريد لثقافتها وفكرها أن يكونا القوت الوحيد لأبناء الشعب العراقي. هذا ثمن لم أرغب يوما بدفعه أبدا ،أما الثمن الذي لم أستطع دفعه هو السفر خارج العراق، لأني لا أستطيع مغادرة هذا البلد الذي يمثل لي كل عناصر الحياة التي لا أستطيع العيش دونها. وعن حاله بعد التغيير الذي حصل في العراق يقول: لقد فتح التغير آفاقا واسعة لكل الإبداع العراقي ومنه الإبداع الفني التشكيلي مع الاعتراف بالتراجع الكبير ” المؤقت ” الذي حصل للفن خلال السنوات الأولى من التغيير بسبب جهل السياسي بقيمة الفن إضافة للإرهاب الذي كان يتصيّد المبدعين عامة والفنانين خاصة.
وعن أحلامه يقول هادي عباس: لدي أحلام بقدر مناماتي وصحواتي، ولكن الحلم الذي يراودني دائما والى آخر يوم في حياتي هو: إقامة نصب يمثل حكاية مورثة في أدبنا العربي هي ـ الف ليلة وليلة لأنها ملخص كل التراث الإنساني ثانيا: أن الحكاية تمثل صراعا أبديا بين الخير والشر صراعا بين رغبات ونزوات الجسد وطهارة الروح وسموها .. في النهاية أنها تمثل انتصار الحكمة والعقل على النزوة والرغبة الجسدية العبثية، ناهيك عن خصائص الحكاية الإبداعية كفنٍّ أدبي حكائي، حفر في ذاكرة الناس جميعا معاني وصور وتساؤلات تشدهم دائما الى صور ومضامين هذه الحكاية.



