تضارب تصريحات المؤسسات المالية يربك المشهد الاقتصادي ويثير القلق

أزمة الرواتب وشح الخزينة
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
تتصاعد المخاوف في الشارع العراقي من تداعيات الأزمة المالية وانعكاساتها على انتظام صرف رواتب الموظفين والوضع الاقتصادي بشكل عام، في ظل تضارب واضح في التصريحات الصادرة عن المؤسسات الحكومية والمالية واللجان النيابية، الأمر الذي زاد من حالة الضبابية بشأن حقيقة الوضع المالي للخزينة العامة وقدرة الدولة على مواجهة الضغوط الناجمة عن تراجع الإيرادات النفطية.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة ووزارة المالية والبنك المركزي، ان الأزمة المالية الحالية ارتبطت بصورة مباشرة بتوقف أو تراجع الامدادات والصادرات النفطية وما خلفه ذلك من ضغط كبير على موارد الدولة، تصدر في المقابل تصريحات نيابية تؤكد تضمين موازنة عام 2027 بنوداً تتعلق بتثبيت عقود الموظفين، وادراج الأجراء اليوميين، بالإضافة الى الحديث عن معالجة ملفات التعيين لخريجي السنوات الماضية.
وتزداد حدة التناقض مع استمرار الحديث عن تأخر إطلاق الرواتب، وهو ما يثير تساؤلات شعبية بشأن قدرة الخزينة على تأمين الالتزامات المالية بصورة منتظمة، لاسيما في ظل تطمينات وزارة المالية بأن رواتب الموظفين مؤمنة بالكامل، وعدم وجود توجه لتوزيعها على فترات زمنية تتجاوز موعدها المعتاد.
وفي السياق نفسه، تؤكد اللجنة المالية النيابية تثبيت شريحة العقود في مختلف الوزارات ضمن موازنة 2027، الى جانب السعي لإقرار سلم جديد للرواتب ومعالجة أوضاع أصحاب الدخول المحدودة، كما تتحدث لجان نيابية أخرى عن تضمين الموازنة مخصصات مالية مرتبطة بقانون وزارة التربية، بما يشمل المعلمين والمدرسين والإداريين والموظفين.
ويرى مراقبون، ان المشكلة لا تكمن في اختلاف التصريحات فحسب، بل في غياب رؤية اقتصادية واضحة يمكن من خلالها معرفة حجم الموارد المتاحة للدولة وحجم الالتزامات المالية التي ستتحملها خلال المرحلة المقبلة، خصوصا مع استمرار اعتماد الموازنة العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.
وفي هذا الإطار، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي عبد الحسن الشمري في حديث لـ”المراقب العراقي”، ان “تضارب التصريحات بين المؤسسات المعنية بالملف المالي يزيد من حالة الضبابية ويعمق مخاوف المواطنين”، مبينا، ان “المرحلة الحالية تتطلب خطاباً مالياً موحداً وشفافاً يكشف حقيقة الوضع الاقتصادي وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها”.
وأضاف الشمري، ان “استمرار صدور تصريحات متباينة من مختلف الجهات المعنية، يعكس عدم وجود تصور موحد لحجم المخاطر التي تواجه الاقتصاد العراقي، مشيرا الى ان الحكومة، رغم مرور أكثر من 100 يوم على تشكيلها، لم تقدم حتى الآن منهاجاً اقتصادياً متكاملاً قادراً على معالجة الأزمة في المالية العامة”.
وأوضح، ان “المبادرات التي طرحت خلال الفترة الماضية بقيت محدودة ولا ترتقي الى مستوى الأزمة التي يواجهها العراق، خصوصا في ظل هشاشة الإيرادات غير النفطية وارتفاع حجم الانفاق العام والاعتماد شبه الكامل على النفط في تمويل الموازنة.”
وأكد، ان “استمرار الأزمة بهذه الصورة يمثل خطراً حقيقياً على الاقتصاد، لأن أي اضطراب في صادرات النفط أو أسعاره سينعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة في تمويل الرواتب والمشاريع والخدمات، مشدداً على ضرورة الانتقال من سياسة معالجة الأزمات بشكل مؤقت الى بناء استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد”.
ودعا الشمري الى “اسناد إدارة الملف المالي والاقتصادي لشخصيات متخصصة تمتلك الخبرة والكفاءة، والاستعانة بخبراء الاقتصاد لوضع دراسات معمقة تتضمن حلولاً واقعية لتنويع مصادر الدخل، وتفعيل القطاعات الصناعية والزراعية والاستثمارية، وتعزيز الإيرادات غير النفطية”.
وأشار الى ان “معالجة أزمة الرواتب لا ينبغي ان تقتصر على تأمين الأموال اللازمة لدفع المستحقات، بل يجب ان تكون جزءاً من اصلاح مالي واقتصادي شامل يعالج الأزمة ويجد حلولاً جذرية، لافتاً الى ان استمرار الاعتماد على مورد واحد يجعل الاقتصاد العراقي عُرضة للصدمات في كل مرة تتراجع فيها عائدات النفط”.
وبينما يرى مراقبون، ان استمرار التصريحات الحكومية والنيابية في تقديم تطمينات بشأن الرواتب والاستحقاقات المالية، تبقى الحاجة قائمة الى توحيد الخطاب الرسمي والكشف بوضوح عن حجم السيولة المتاحة والتزامات الخزينة ومصادر تمويل الموازنة المقبلة، بما يضع حداً لحالة القلق والجدل التي باتت ترافق الملف المالي.



