اراء

التيتانيك والقراصنة

مصطفى الدراجي

اسم سفينة مشهورة لحادثة مشهورة استعنّا به للشهرة اولاً، ولتشابه حال السفينة ،اي سفينة، فضلاً على التيتانيك، مع حال اي دولة تعيش على هذه المعمورة. كان يركب التيتانيك خليطاً غير متجانس كل له رغباته وأهواؤه وميوله ومعتقداته وتفكيره. ويكاد لا يتطابق مع الاخرين كلياً او يتطابق جزئياً حسب افتراق وانطباق الافكار والميول والمعتقدات …الخ.
كان يركب السفينة الغني والفقير والشريف والوضيع ومع اختلاف طبقاتهم تختلف كذلك منازلهم وأماكنهم فيها، لكن القاسم المشترك الذي يجمعهم هو ركوبهم جميعاً على متنها. ولما كانت سفينتهم تمخر عباب البحر آمنة مطمئنة ، تنعم بالنسيم الهادئ وبالأجواء المريحة ، كان لكل فرد من ركابها هدف يبغي تحقيقه بغض النظر عن مشروعيته أو عدم مشروعيته. لكن مع اول استشعار بالخطر اصبح للجميع هدفان ،هدف اقرب وهو الهدف العام أي سلامة الوصول ، وهدف ابعد وهو الاهداف الخاصة المراد تحقيقها في زمن السلامة . لكن الذي حصل ان وسائل تحقيق الاهداف العامة (النجاة) اختلفت حسب اختلاف طبقات مجتمع السفينة. فطبقة النبلاء والتجار والمترفين تمسكوا بمكانتهم الجغرافية في السفينة ومكانتهم المعنوية معتمدين على الطبقات الاخرى الاقل منها شأناً – في تصورهم – في التضحية والعمل ، والاجتهاد في ازاحة المياه التي ستغرق السفينة . لكن السفينة غرقت في النهاية لعدم شعور الجميع بالمسؤولية ولاعتماد النبلاء والمترفين على الفقراء والمستضعفين ولإحساس الطبقات الدنيا انهم سواء أغَرقَت السفينة أم نجت فإن المفلس في القافلة أمين. وهذا الحال يقترب كثيراً مما نعيشه في العراق ، فحينما كانت سفينتنا تزخر بأنعم الله كانت طبقة النبلاء ومن على شاكلتهم يتسنمون المناصب الرفيعة ويقتسمون الفيء فيما بينهم (بَل لا يُكرِمُونَ اليَتِيم، ولا يحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسكِين، ويأكُلُونَ التُّرَاثَ أَكلاً لَمّاً، ويُحِبُّونَ المَالَ حُبّاً جَمّاً ) حتى اذا خوت الخزينة وانقطع الفيء ، قالوا : يا ايها الملأ شدّوا حجر المجاعة على بطونكم ، واعينونا بالصبر والصلاة . (ينادونني في السلم يا ابنَ زبيبة … وعند اشتباك الخيل يا ابنَ الاطايب) يخافون ان تغرق السفينة وهم لا يزالون متسنمين اسطحها مع ان الطبقات الدنيا قد غرقت منذ زمن ليس بالقصير. يخافون ان تغرق السفينة وهم لا يزالون متمسكين بالشراع . أتريدون حلاً .. أتركوا الشراع لغيركم فلقد مزقتموه شر تمزيق . تُرى ، هل عقمت الارحام ، أم هل جفّت الاصلاب. أم محلت العقول . لا تُلجئونا ان نقول لكم كما قال ابو عبد الله الحسين (عليه السلام) ((ان لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا احرارا في دنياكم وارجعوا الى احسابكم ان كنتم عرباً كما تدعون)) أتركونا واتركوا شراع سفينتنا فإنّا قادرون على اعادة توجيهها نحو الوجهة الصحيحة من جديد ، وإلاّ … فلتغرق السفينة … !!! نعم ، فلتغرق ، لأننا غرقى منذ ان وُجِدنا على ارض هذا البلد ، وانما هذه اشباحنا تقوم وتقعد (وَسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون) .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى