اراء

المشهد العراقي بين الخيارات المرتبكة والمعادلات القلقة

 

بقلم/عادل الجبوري..

 

طيلة 19 عاماً، لم يكن تشكيل أيّ من الحكومات السبع التي تعاقبت على إدارة شؤون العراق منذ العام 2004 وحتى الآن أمراً يسيراً وسهلاً وسريعاً، إنما كانت المفاوضات الماراثونية الطويلة والشاقة بين الفرقاء، والتأثيرات والضغوطات الخارجية الإقليمية والدولية، هي السمة الأبرز والأوضح في المشهد العام، بما تتخلّله من مساومات وترضيات وتنازلات وصفقات، لتنتج في نهاية المطاف معادلات قلقة ومرتبكة وهشة، تعكسها التجاذبات والاحتقانات السياسية المستمرة، والأوضاع الأمنية المضطربة، والمشاكل والأزمات الحياتية الشائكة والمعقدة والمزمنة.

وإذا كانت المحاصصة السياسية على أساس طائفي وقومي ومذهبي وديني، وحتى مناطقي، جنبت العراق أزمات ومشاكل كبيرة وخطرة، وساهمت بشكل أو بآخر في الحفاظ على تماسك المنظومة المجتمعية وهيكلية الدولة بمفاصلها ومؤسساتها وسلطاتها المختلفة، إلا أنَّها من جانب أخرى أوجدت حالة مزمنة من عدم الاستقرار، وعمقت مظاهر الفساد الإداري والمالي، وأضعفت بناءات الدولة المؤسساتية لمصلحة نفوذ الأحزاب والتيارات السياسية وبعض القوى الاجتماعية، وفاقمت معاناة فئات وشرائح اجتماعية كثيرة جراء تدني الخدمات الأساسية وفرص العمل وغير ذلك، ناهيك بكونها هيّأت بشكل أو بآخر المناخات والأرضيات المناسبة لنشوء الإرهاب بشتى أشكاله وصوره ودوافعه وأهدافه. وكما يقول بعض الساسة وأصحاب الرأي، “بسبب تعرض الدولة للمحاصصة، أصبحت الإدارات غير قادرة على العمل وفق القانون أو تقويم الاعوجاج أو الانحراف“.

وأتاح منهج المحاصصة ظهور تنظيم “القاعدة”، ثم “داعش” ومجامع إرهابية مسلحة، بأسماء وتوجهات وانتماءات مختلفة، وهيمنة الأجندات والمشاريع الخارجية وطغيانها، وتزايد حدة الاستقطاب والصراع والتنافس بين الخصوم الإقليميين والدوليين في الساحة العراقية، ناهيك عن أن “وصفة” المحاصصة أوجدت ورسّخت وكرست ظاهرة أو ثقافة انعدام الثقة بين الشركاء أو قل الفرقاء السياسيين، وهو ما تجلّى واضحاً في بعض المرات، من خلال تمرير 3 قوانين أو أكثر من قبل البرلمان بصيغة “الحزمة الواحدة” (The one package)، لكي يضمن كل طرف مصالحه أو مصالح المكون الذي يمثله، ولا يقع في فخ خيانة الشريك!

ولأنَّ المحاصصة ترتكز على معادلات هشّة وقلقة، فإنها غالباً ما تكون محكومة ومرتبطة بمساومات وإملاءات واشتراطات غريبة عجيبة، من قبيل منح الضوء الأخضر لشخصيات مشمولة بقوانين اجتثاث البعث أو المساءلة والعدالة لخوض الانتخابات والدخول إلى البرلمان، وتقلّد مناصب حكومية عليا وحساسة، وكذلك القبول بشخصيات أُقصيت في أوقات سابقة من مناصبها بسبب قضايا فساد مؤكدة، لتشغل مناصب أهم وأكبر من المناصب التي أُقصيت وأُخرجت منها!

ملامح التوافقية المحاصصاتية ومظاهرها بدت واضحة، وطغت على أجواء الجلسة البرلمانية الأولى التي عقدت في 9 كانون الثاني/يناير الجاري، وحتى قبلها، وستلقي بظلالها على الحكومة المرتقبة ومجمل المفاصل المؤسساتية الحكومية العليا.

من الناحية النظرية، يبدو الحديث والتسويق لخيار حكومة الأغلبية الوطنية جميلاً وجذاباً جداً، وخصوصاً في ظلّ التراكمات السلبية على امتداد ما يقارب عقدين من الزمن، ولكنه في أرض الواقع يصطدم بجملة حقائق تجعله مقحماً، شاء أصحابه أو لم يشاؤوا، في بوتقة التوافق والتفاهم. ومن هذه الحقائق:

أولاً: إن الأطراف التي يراد أن تشكل حكومة الأغلبية الوطنية من المكونين السني والكردي قد تتوافق وتتفاهم في ما بينها، كما حصل بين تحالفي “تقدم” و”عزم” بزعامة كل من خميس الخنجر ومحمد الحبلوسي، وهذا يعني أن الأغلبية لا بد من أن تمر عبر بوابة التوافق، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير العامل الخارجي في تجسير الخلافات بين التحالفين، وتحديداً أبو ظبي وأنقرة، اللتين رعتا اجتماعات ولقاءات مشتركة بين الخنجر والحلبوسي، أفضت إلى التوصل إلى صيغة مقبولة لكليهما، لتقاسم حصة المكون السني من الوزارات والمواقع الأخرى.

ثانياً: إنَّ خيار الأغلبية سوف يؤدي إلى تفكّك وانقسام وتشظي المكون السياسي والمجتمعي الأكبر، أي المكون الشيعي، ما يجعل بناءات الأغلبية هشّة وعرضة للانهيار في أيِّ وقت، وقد لا تدوم طويلاً، مثلما يتوقع ويتنبأ البعض، وخصوصاً أن الطريق شائك ووعر، وفيه الكثير من قنابل الخلافات والتقاطعات الموقوتة بين تحالفات تشكَّلت في جانب منها على عجل، واستناداً إلى ردود أفعال ونقاط التقاء تمتزج وتختلط معها نقاط افتراق كامنة.

من غير الممكن أن تُعالج أخطاء المراحل والتجارب السابقة وسلبياتها في ظلِّ البيئة نفسها، وبالأدوات والأطراف والظروف نفسها التي أوجدتها وأنتجتها ورسّختها وكرّستها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. إنَّ كسر قوالب التوافقية المحاصصاتية ينبغي أن يكون بالتدريج، وأن يترافق معه التأسيس لقواعد ومرتكزات رصينة لخيار الأغلبية ومفهومها، تبدأ من الآن لتنضج وتتكامل بعد دورتين أو 3 دورات برلمانية، لكن من الخطأ الفادح أن ينتهي كل ذلك الجدل والسجال إلى المعادلات نفسها شكلاً ومضموناً، وكأن شيئاً لم يكن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى