العودة إلى الأفلام النضالية الفلسطينية

سليم البيك..
العودة إلى الأفلام النضالية، أفلام الثورة الفلسطينية، ضرورة لا لفهم المرحلة الأولى للسينما الفلسطينية بشكلها المُأسَّس وحسب بل إدراك أوسع للسياق الذي تأتي فيه أفلام الفلسطينيين من حينها حتى اليوم.
في السنوات الأخيرة، اعتمدت بعض الوثائقيات على بعض تلك الأفلام ومَشاهدها، شكلاً ومضموناً. لكنّ حدثين أضافا إلى تلك العودة عمقاً معرفياً يتخطى المشاهَدة ويرفدها بسياقٍ، ما كانت ستحظى به دونها، الأوّل (زمانياً) هو كتاب نادية يعقوب «السينما الفلسطينية في أيام الثورة»)والثاني هو كتاب خديجة حباشنة «فرسان السينما: سيرة وحدة أفلام فلسطين» 2020 ـ عمّان ـ الدار الأهلية. في سنتين صار لما وُجد وأُتيح للمشاهدة، من الأفلام النضالية تلك، قاعدة وأبعادا معرفية، تتعدى الأفلامَ إلى ما يمكن أن يؤسّس عليها في دراسة السينما الفلسطينية في عمومها، كما تتعدى السينما ذاتها في دراسة الحالة الثقافية (والسياسية والاجتماعية) الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي، أو للدقة، من أواخر الستينيات حتى أوائل الثمانينيات.
يتميّز الكتابان بإكمال واحدهما الآخر. كتاب حباشنة يعتمد على الذاكرة الشفاهية، وعلى تجربة المؤلِّفة في تلك المرحلة، فقد اهتمّت بأرشفة ما تصوّره منظمة التحرير (تحديداً «وحدة أفلام فلسطين» التي ستصير «مؤسسة السينما الفلسطينية»). تنقل في كتابها ما تتذكره، إضافة إلى ما يتذكره فاعلون من تلك المرحلة، قابلتهم وسجّلت شهاداتهم، في سياق أتى متتالياً في كتابها، زمانياً وموضوعاتياً، فيكون الكتاب مادة خاما بمثابة المصدر لكل تناول لأفلام الثورة. للكتاب بُعده الشخصي الآتي مباشرة من هناك، حباشنة هي زوجة الراحل مصطفى أبو علي صاحب التجربة الأهم في السينما النضالية الفلسطينية، وهي العارفة بالفاعلين في تلك السينما، الباقي إلى يومنا، وقامت على مدى سنوات في تسجيل مقابلات معهم لتوثيق الشهادات لإنجاز كتابها، بموازاة عملها الاستثنائي في البحث عن الأفلام المفقودة، والسعي لترميمها ورقمنتها، وهو عمل تغيب عنه مؤسسات وتهمله وزارة الثقافة الفلسطينية.
الكتاب الثاني، ليعقوب، أتى كذلك بعد دراسة لسنوات تخللتها مقابلات ومشاهدات، وهو هنا يتكامل مع الأوّل لطبيعته الأكاديمية، كتوثيق كتابي لا شفاهي، وكدراسة من الخارج لا من الداخل، ما يمكن أن يعطي المعرفة حول السينما النضالية الفلسطينية، توثيقاً كتابياً يكمل الشفاهي في كتاب حباشنة. النّقص في أحدها يسنده الآخر، أحدهما مصدر والآخر مرجع، أحدهما ذاتي والآخر موضوعي. أحدهما يقدّم أساساً المعلومة والآخر التحليل.
جزءٌ من أهميّة الكتابين يعود إلى افتقاد الكتب المتناولة لتلك السينما، فلم يكن لأحدنا، ما قبل 2018، مرجعٌ سوى دراسات متفرّقة غير متعمّقة، هنا وهناك، ومذكّرات أو أجزاء منها، ومقالات أو فصول قصيرة.



