نظرية «الفن للفن» في المسرح العربي… منظور جديد في قضية ساخنة

مصطفى عطية جمعة..
روّج نظريةَ الفن للفن في المسرح العربي أستاذُ الأدب الإنكليزي رشاد رشدي (1912-1983) في مسرحياته وتنظيراته، ودعّمها طلابه في بحوثهم ومقالاتهم المتابعة له. وقد اعتمدت رؤية رشاد رشدي على أن يكون العمل الفني خالصا للفن وحسب، دون تدخل من الأيديولوجيات الفكرية أو العاطفية والنفسية، فيرنو الأديب دائما إلى ما يعزز الجمالي في نصه الإبداعي، غير عابئ لأي ترويج لفكر أو أدلجة ما.
وقد رأى رشاد رشدي أن المسرح المصري ما زال مسرحا للفكرة، ولا يقصد بهذا أنه مسرح ذهني يقوم على أفكار فلسفية، وإنما يعني أنك تستطيع بسهولة استخلاص الفكرة أو الأفكار التي تقوم عليها أغلب المسرحيات عندنا، وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على عدم نضج الكاتب المسرحي لأنه لم يستطع أن يزاوّج الفكرة بالتعبير، أو الموضوع بالشكل، وبالتالي لم يستطع أن يخلق موضوعا فنيا له كيانه المستقل. والموضوع الفني هو الشكل الفني.. هو في الحقيقة العمل الفني نفسه، أما الموضوع بمعنى الفكرة أو المشكلة، فهذه لا وجود لها إلا في الحياة.
رشاد رشدي ينتصر للفن بوصفه فنا وحسب، ويرى أن الجهد الأكبر للفنان الأديب المبدع هو صياغة شكل جمالي، وأن مشكلة المسرح المصري هي أن المؤلف يهتم بالفكرة على حساب الشكل، في حين أن الفكرة هذه موجودة في الحياة، ومن السهل العثور عليها، وإنما المعول الأكبر في الفن هو الصياغة الجمالية، فالمعنى في رأيه هو الشكل الفني الذي لا ينفصل عن المضمون.
لقد كان رشاد رشدي صوتا لنظرية النقد الجديد، وطروحاتها حول الاهتمام بالبنية النصية، وجمالياتها، مروّجا بقوة إلى ما ذهب إليه ت. إس. إليوت صاحب النظرية. والغرض الأساسي في طروحاته أن يكون الشكل المسرحي متطابقا جماليا مع الموضوع المطروح، فلا تكون الفكرة عميقة والشكل المصاغة به ضعيفا أو غير جمالي. ومن ثم كانت مطابقة الشكل للمضمون مطابقة كاملة أمرا ضروريا لاكتمال العمل المسرحي، فالأعمال التي لا يطابق فيها الشكل الموضوع مطابقة كاملة هي في الحقيقة رموز حملت أكثر مما تطيق أن تحتمل.
ولا شك في أن هذه الرؤية تؤكد أهمية امتلاك الأدوات والبنية النصية الجمالية، وتواجه الكتّاب ضعيفي الموهبة والصياغة الفنية، الذين يحولون النص إلى شعارات وخطب رنانة وتعبيرات مباشرة. لكنها في منظور التحيز في المسرح العربي، نجد أنه ينطلق من منظور يكرس الرؤية النقدية الغربية، وأهمية صياغة المسرح وفق قواعد المسرح الغربي المستقرة، فهي تحقق المعيارية والبنية الصحيحة، وبالطبع فإن قضية الهوية غير حاضرة في طرحه، لأنها ستؤدي إلى تغيير البنية المسرحية الفنية المدرسية، فهي خروج على مقاييس الجمال المستقرة.



