سوريا والجوار..عقد من التّنمية ،عقد من القطيعة

بقلم/زياد غصن..
انتهجت سوريا منذ بداية القرن الحالي سياسة جديدة في مقاربة علاقاتها الثنائية مع دول الجوار، وهي علاقات سادها لسنوات طويلة توتر سياسيّ وصل أحياناً إلى شفير الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، كما هو الحال مع تركيا قبل نهاية فترة التسعينيات، أو التهديد الأمني المباشر، كما حدث مع العراق والأردن في فترة الثمانينيات وأثناء الصدام مع حركة الإخوان المسلمين، الأمر الَّذي انعكس سلباً على التعاون الاقتصادي بين دول متجاورة، يُفترض أن يحقق تقاربها الجغرافي ورابطها القومي أعلى درجات الفائدة التجارية والاستثمارية لاقتصادها.
– توسيع مجالات التعاون الاقتصادي مع العراق في عهد النظام البائد، ولا سيّما زيادة قيمة التبادل التجاري في إطار مشروع الأمم المتحدة، والذي حمل عنوان “النفط مقابل الغذاء“.
تعكس الصّادرات السّورية إلى العراق مع نهاية العقد الأول، والبالغة قيمتها حوالى 2.2 مليار دولار في العام 2010، المستوى الَّذي بلغه تعاون البلدين على المستوى التجاري، إذ إنَّ الصادرات نحو العراق شكّلت ما نسبته حوالى 46.5% من إجمالي الصادرات السورية المتّجهة في ذلك العام إلى الدول العربية.
– الانفتاح على تركيا سياسياً واقتصادياً خلال سنوات العقد الأول، وهو انفتاح أثمر توقيع مجموعة اتفاقيات أسّست لعلاقات غير مسبوقة في تاريخ البلدين، كان من أبرزها السّماح بتنقل الأفراد بموجب البطاقة الشخصية فقط، من دون الحاجة إلى تأشيرة دخول، وإقامة منطقة تجارة حرة ثنائية، وإطلاق مشروع طموح لنزع الألغام على طرفي الحدود، تمهيداً لاستثمارها كمناطق تنموية، وتشجيع رجال الأعمال على تأسيس مشروعات استثمارية مشتركة.
أما سياسياً، فإنَّ المستوى الذي وصلت إليه العلاقة أهّل أنقرة للمساهمة في جهود نزع فتيل الأزمة مع الغرب في أعقاب عملية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري، وتحميل بعض الدول والأطراف المسؤولية لسوريا عن العملية.
وفي قراءة اقتصادية لنتائج ذلك التحول الاستراتيجي في علاقات دمشق بأنقرة، تظهر البيانات الرسمية للتجارة الخارجية السورية أنَّ مستوردات سوريا من تركيا في العام 2010 وصلت إلى حجم زادت فيه على مستوردات دمشق من دول أخرى كثيرة، كالسعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، والصين، والهند وغيرها.
– شكَّل تولي شابين مقاليد الحكم في كلٍّ من الأردن وسوريا بفاصل زمني لم يتعدَّ العامين، حافزاً شجع البلدين على فتح صفحة جديدة في علاقاتهما السياسية والاقتصادية، ترجمت بعلاقة شخصية خاصَّة جمعت الملك عبد الله الثاني مع الرئيس بشار الأسد.
ورغم تباين موقف الدولتين من بعض القضايا والملفات الإقليمية، فإنّ ذلك لم يكن ليعرقل جهود إرساء علاقات أثمرت اتفاق الحكومتين على تنقّل الأفراد بين الدولتين بموجب البطاقة الشخصية، إذ استحوذ معبر نصيب الحدودي على ما نسبته 20.7% من إجمالي عدد السوريين المغادرين للبلاد عبر المعابر الحدودية البرية، والبالغ عددها آنذاك 16 معبراً، وتسهيل دخول السيارات الشاحنة المحملة بالبضائع وخروجها، وتحسن طفيف في المبادلات التجارية التي وصلت قيمتها في العام 2010 إلى حوالى 879 مليون دولار، وزيادة قيمة الاستثمارات البينية، إذ إنَّ المشروعات المشمولة بموجب قوانين الاستثمار في سوريا، والعائدة إلى مستثمرين أردنيين، جاءت في المرتبة الثالثة بين الاستثمارات العربية المشمولة في سوريا، مشكّلةً نسبة قدرها 15%.
عقد من القطيعة!
لكن ما بنته دمشق في سنوات مع دول الجوار، كانت الأسابيع الأولى من عمر الأزمة السورية كفيلة بتجميده أو تدميره، فالحدود التي كانت تستعدّ إلى أن تتحوَّل إلى مناطق اقتصادية وتنموية باتت معبراً لدخول السلاح والمسلحين إلى سوريا وسرقة ثرواتها وخيراتها، والدول التي كانت تستقبل السوريين بلا تأشيرة دخول، أصبحت تعاملهم كلاجئين محرومين من أبسط الحقوق الإنسانية والمشاركة، والرؤساء الذين كانوا يصفّقون للأسد صار جلّ همهم إسقاطه وحكومته بأيّ وسيلة، حتى لو كان “حصان طروادة” هو دعم تنظيمات متطرفة، مثل “داعش” و”النصرة”، فكان أن وصلت العلاقة السورية-التركية إلى درجة القطيعة الكاملة سياسياً واقتصادياً، وأصاب الجمود والتوتر العلاقة السياسية مع الأردن، قبل أن تتوقف العلاقات التجارية على خلفية سيطرة المسلّحين المدعومين من غرفة “الموك” على معبر “نصيب” الحدودي، في حين بقيت العلاقة مع العراق خاضعة لمتغيرات عديدة، أبرزها الضّغوط الأميركيّة على حكومة بغداد، وسيطرة تنظيم “داعش” على المناطق الحدودية، قاطعاً بذلك أيّ تواصل جغرافي لطرق التجارة بين البلدين.
– البناء على ما يجمع دمشق بدول الجوار من نقاط ومصالح مشتركة للوصول إلى معالجة المسائل الخلافية، وهي قاعدة سورية في مقاربة علاقاتها مع الدول العربية منذ سنوات طويلة. وعلى هذا الأساس، استقبلت دمشق مؤخراً وفداً حكومياً لبنانياً، وأرسلت إلى الأردن عدداً من وزرائها، ولكن هذه القاعدة لن تجعل الاقتصاد في خدمة السياسة، كما حدث في مرات سابقة.
– استثمار الظروف السياسية في المنطقة لتحقيق مصالح اقتصادية، وهي في النهاية محاولة لكسر عزلة أرادت الإدارة الأميركية فرضها على البلاد، عبر تشديد حصارها اقتصادياً مع بدايات العام 2019. وما موافقة دمشق على عبور الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان سوى تطبيق لهذا المبدأ، الذي ربما يقود لاحقاً إلى تعاون مشابه مع العراق، الذي يواجه أزمة طاقة تتجلى في نقطتين؛ الأولى أزمة تأمين الطاقة الكهربائية، رغم الاحتياطيات الضخمة من الغاز الطبيعي، والأخرى عدم قدرة البلاد على رفع كميات الإنتاج الوطني من النفط والغاز، وتأمين منافذ تصديرية تساعد على ذلك.
كما أنّ الحديث عن عودة قريبة لسوريا إلى الجامعة العربية من شأنه أن ينعكس في أولى نتائجه على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، سواء عبر التعاون الثنائي المباشر مع الدول العربية أو عبر مؤسسات الجامعة ومشروعاتها.
السياسة في خدمة الاقتصاد
الرأي السائد اليوم مفاده أن دمشق قد تنسى ما حدث خلال السنوات العشر السابقة لأسباب كثيرة، لكنها ستكون أكثر حذراً في بناء علاقاتها. ولهذا، تبدو “غير مستعجلة” حالياً للتوصل إلى تفاهمات سريعة مع دول عربية عدة، والأهم أنَّها لن تكون هذه المرة مضطرة إلى جعل الاقتصاد في خدمة السياسة، كما ذكر سابقاً، فمصلحتها اليوم باتت معاكسة لذلك تماماً.



