“العصافير تحلق ثانية” رواية فلسفية تحتاج إلى البناء الفني

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد حمدي العطار أن رواية (العصافير تحلق ثانية) للكاتب علاء الوردي هي رواية فلسفية تحتاج الى البناء الفني .
وقال العطار في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): إن الكاتب علاء الوردي ، تعرفنا عليه بكتاباته الفلسفية التاريخية والبحث الاكاديمي وألف كتبا عن القرامطة وثورة الزنج وكانت كتبه وكذلك عشرات المنشورات الفلسفية المتنوعة تدخلك بسهولة الى مناخ التاريخ واسرار الحركات الثورية في المدن العريقة ، وعلى الرغم من انه يهتم بالزمن الماضي لكنه يزج بتصوراته المستقبلية من خلال تحليل الواقع – الحاضر- ويحذر ما قد يضر المجتمع والفرد.
واضاف :ان الوردي قدم تجربته الاولى الروائية بعنوان (البوابة 13) وأثارت الكثير من التساؤلات النقدية، وقد كتبنا عليها قراءة نقدية تشيد بالجزء الاول من الرواية وقدمنا ملاحظات عن الاجزاء الاخرى على اعتبار ان الرواية بنيانا متكاملا.
وتابع :أننا كنا نرى في علاء الوردي كاتبا مثابرا ومجتهدا يستطيع طرح المسائل الفلسفية بأسلوب سلس وبسيط لكنها لا تفقد قيمتها المعنوية العميقة، لكنه احس بجدوى كتابة هذه الافكار بجنس الرواية فهو الجنس الادبي الذي يعكس واقع وهموم المجتمع وما يكتنفه من تناقضات وصراعات وآمال، وحاول علاء الوردي اتباع أساليب حديثة في لغة الحوار أو صياغة مشاهد الاحداث مع التمسك بثقافته الفلسفية التي تتفوق كثيرا عن الامكانياته الادبية في مجال السرد الروائي!
وواصل :أنه يبدو لي ان كتابة الرواية تحتاج الى براعة وثقافة وموهبة تختلف كثيرا عن كتابة المقالات الفلسفية او النقد الاجتماعي، ولم تتفوق الرواية عن باقي الاجناس الادبية اعتباطا، فهي قد تفوقت على الشعر والقصة والمسرح و تتنافس مع السينما ! ومصير الرواية،اذا لم يكن الكاتب جاهزا للبناء المعماري للسرد قد تكون (ورطة)، هي عمل تخييلي ولعبة ذهنية ذكية تحتاج الى الحرفنة والمهارة، كنا نسمع بإن فؤاد التكرلي استغرق في كتابة رواية (الرجع البعيد) 13 سنة، ونسمع ان بعض الكتاب استغرق في قراءة رواية ديستوفسكي (الجريمة والعقاب) ثلاثة اشهر! كنت استغرب ، واسأل نفسي لماذا كل هذا الوقت في قراءة رواية؟ بعدها فهمت ان هذا النوع من القراءة الواعية هي دراسة في كيفية بناء المشهد وخلق الشخصيات والاحداث، بهذه الطريقة الصبورة يتعلم البعض كتابة الرواية فضلا عن الملكة والموهبة.
واشار الى ان رواية (العصافير تحلق ثانية) للروائي (علاء الوردي) الصادرة من دار السرد سنة الاصدار 2021 وتقع في 287 صفحة وتحتوي على 11 مقطع سردي تناوب على السرد فيها (شكر)و(الاء) مع تداخل باقي الشخصيات في السرد .
وبين :في البداية هناك لقاء مفتعل بين شكر والاء على جسر الشهداء بعد فراق طويل لعشرات السنين، ويفهم القارئ ان شكر يعاني من مرض نفسي يقول هو (عدم فهمه للاخرين) ويرفض العلاج عند الطبيب النفسي لأن العلة والعلاج شيء واحد – كما يقول- كذلك نعرف ان شكر اصبح من كبار السن، زوجته تقول له (ليالي الشتاء تكون ثقيلة على الكبار!) بناء الشخصية الرئيسية من البداية تتصف بالتناقض وعدم الوضوح ، والارتبك فالروائي يكثر من الجمل الاعتراضية التي تفسر شخصياته فهو بعد وصف الملا منصور صاحب الاسواق الكبيرة يلمح الى امكانية ان يكون له دورا اما في الماضي او في المستقبل مع بطل الرواية شكر ، تأتي الجملة الاعتراضية (الإنسان الذكي هو من يترك جزءا من شخصيته في حالة إبهام والتباس، ولهذا الإبهام والغموض سحر يجعلك ظاهرة تحير العقول”ص18 وهذه ليست الصيرورة انها اقتحام الكاتب للسرد! ويتجه السرد نحو التداعي والحديث عن مناخ العراق وتأثيره على تصرفات الناس، وهذه التداعيات لا تتوافق مع مهنة شكر، كضابط في جهاز امني بل تبدو التداعيات لشخصية معارضة للسلطة! .
وختم : ان المشهد الموازي للنص يكون ذلك على جسر الشهداء ويبدو شكر رقيقا وشاعريا وحتى ثوريا وهو يتذكر كل الشهداء لذين سقطوا على هذا الجسر ليكون اسمه جسر الشهداء، كما ان منظر العصافير في الاقفاص يؤلمه جدا حتى يربط ذلك بمصطلح تاريخي قاسي (العبودية) “وجدت رجلا يبيع مجموعة من العصافير داخل قفص كبير، بداخله (مئات) العصافير، وهن يرفسن مشبك القفص ويطالبن بحريتهن التي قيدها الإنسان الطاغي! ما أقسى القلوب الغليظة التي تسترزق على عبودية الأخرين ..جملة اعتراضية (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) ثم يكون لقاء الصدفة مع حبيته الجامعية الاء ومعها ثلاثة اطفال، ولا يتم التعرف على بعضهما الا من نبرات الصوت! ليكون اسم ابنها (شكر) على اسمه وتكون اسم ابنته (الاء) على اسمها ! يشترك الاثنان في شراء العصافير واطلاقها لتحلق ثانية في سماء الحرية.نتلمس ضعفا في بناء المشهد الذي تتحكم فيه الصدفة ويبدو غير مقنع دراميا!



