من الذاكرة سقوط بغداد علي يد التتار وإستسلام العباسي المستعصم وقادة جيشه

1
حينما فشلت المساعي بين القائد المغولي هولاكو خان، والعباسي المستعصم، بمنع الحرب وتجنب المواجهة، عقد هولاكو النية على احتلال بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، فأعطى أوامره بانتقال جيوش جرماجون وبايجو نوبان من معاقلهما في آسيا الصغرى، وأن تسير على ميمنة الجيوش الزاحفة على بغداد إلى الموصل عن طريق أربيل، ثم تعبر جسر الموصل وتعسكر في الجانب الغربي من بغداد، حتى إذا جاءت الجيوش من المشرق تخرج إليها من هذه الناحية، ويزحف على رأس الجناح الأيسر كل من كيتوبوقا، وقدسون، وترك إيلكا ـ كبار قادة هولاكو ـ من حدود إيران باتجاه بغداد مباشرة.
أما هولاكو نفسه فقد كان على رأس قلب الجيش، وتحرك في أوائل المحرم سنة 655هـ الموافق 18 كانون الثاني 1258م نحو نهر دجلة، ومر هولاكو في طريقه على مدينة كرمنشاة فدمرها على طريقة المغول التقليدية، وتعمد هولاكو بهذا التدمير البربري إلقاء الرعب في النفوس، ورسالة إنذار للبغداديين بسوء المصير المنتظر.عسكر قلب الجيش على شاطئ نهر حلوان في التاسع من شهر ذي الحجة، وأقاموا هناك حتى الثاني والعشرين منه، حتى يتمكن جيش كيتو بوقا من إنجاز مهامه، والوصول إلى مواقعه المتفق عليها في الوقت المحدد، كما تمكنت عدة فرق أخرى من عبور نهر دجلة في الوقت المقرر.في ذلك الوقت كان مجاهد الدواتدار القائد العام لجيش المستعصم معسكرا بجنوده بين بعقوبة وباجسري، ولما سمعوا بقدوم المغول إلى الضفة الأخرى عبروا نهر دجلة واشتبكوا في قتال شرس مع المغول في حدود الأنبار على باب قصر المنصور، على بعد تسعة أميال من بغداد.
في تلك النواحي كان يوجد نهر عليه سد كبير فتحه المغول، فغمرت المياه كل الصحراء الواقعة خلف جيش العباسيين وفي فجر يوم الخميس من المحرم دهم المغول الجيش المحاصر بين مائين، وأوقعوا به هزيمة منكرة، بلغ عدد القتلى فيها اثنا عشر ألف مسلم، فضلا عمن غرق أو قضى نحبه في الوحل.
فر قائد الجيش مع عدد قليل من جنوده، وعادوا إلى بغداد، كما هرب البعض إلى المدن الأخرى مثل الحلة والكوفة، وفي يوم الثلاثاء منتصف المحرم تقدم قادة الجيش المغولي بوقا تيمور وبايجو وسونجاق، تقدموا إلى بغداد واستولوا على الجانب الغربي منها، ونزلوا في ضواحي المدينة على شواطىء نهر دجلة، وفي الوقت نفسه وصل بوقا نويان من ناحية صرصر، وتحرك هولاكو من خانقين حيث كان معسكرا، وواصل سيره نحو بغداد حتى نزل في الجهة الشرقية منها، ثم تدفقت بعد ذلك باقي الجيوش كالنمل والجراد من كل جهة وناحية، فحاصروها من جميع أطرافها حتى أصبحوا حولها كسور بشري.
وفي صباح يوم 22 من المحرم 656هـ الموافق 30 كانون الثاني 1258م، أعطيت الأوامر لقادة الميدان باقتحام المدينة من جميع الجهات، فقام المغول بشن هجوم كاسح على أسوار بغداد، استخدموا فيه المنجانيق على نطاق واسع، وأحدث ثقل الحجارة وقوة اندفاعها ثغرات كبيرة في برج العجمي ـ أحد أكبر الأبراج بسور بغداد ـ ورافق هذا الهجوم الوحشي قرع الطبول وصراخ المغول المرعب وصيحاتهم الحادة، فانهارت أعصاب المستعصم ، وعندئذ أرسل إلى هولاكو يخبره بموافقته على جميع شروطه للتسليم، فرد هولاكو على رسل الخليفة: هذه الشروط طلبتها وأنا على باب همدان، أما الآن فأنا على باب بغداد.
وفي يوم الجمعة 26 من المحرم إنهار برج العجمي، فانطلق المغول كالإعصار يجرفون كل حي في طريقهم، وفي يوم الاثنين 28 منه تسلق بعضهم السور عنوة، وأخلوا الأسوار من جند الخليفة، وما كان المساء يحل حتى تسلم المغول جميع الأسوار الشرقية.على إثر ذلك أمر هولاكو بإقامة جسر في أعلى بغداد وفي أسفلها، وإعداد السفن ونصب المنجانيق، وكان بوقا تيمور قد رابط مع عشرة آلاف جندي على طريق المدائن والبصرة ليصد كل من يحاول الهرب بالسفن، ولما حمي وطيس القتال داخل بغداد، وضاق الحال بالمسلمين، أراد الدواتدار أن يركب سفينة ويهرب، لكن جنود المغول أفشلوا هروبه وأعادوه مهزوما مكسورا. وفي ليلة الثلاثاء التاسع والعشرين من المحرم، خرج من بغداد للقاء هولاكو أبوالفضل عبدالرحمن بن الخليفة المستعصم، يرافقه جماعة من كبار رجال الدولة، ومعهم أموال طائلة وهدايا ثمينة لم تقبل منهم، وفي اليوم التالي خرج بن الخليفة الأكبر مع جماعة من المقربين للشفاعة فلم يجدوا آذانا صاغية.أخيرا أرسل هولاكو برسالة قصيرة للخليفة يقول فيها: إن الرأي للخليفة، فله أن يخرج أو لايخرج، وسيكون جيش المغول مقيما على الأسوار إلى أن يخرج سليمان شاة والدواتدار، وفي يوم الخميس خرج الرجلان لمقابلة هولاكو، ولكنه أعادهما مرة أخرى ليخرجا أتباعهما، وكل ما يخصهما، بحجة أنهم سينفون إلى مصر والشام، وخرج معهما جند بغداد وكثير من السكان، وكانوا خلقا لا يحصى، مؤملين أن يجدوا طريقا للخلاص، بيد أن أملهم قد خاب، فقد قتلهم المغول بلا رحمة.
وفي يوم الجمعة الثامن من صفر قتل مجاهد الدواتدار وسليمان شاة وجميع أتباعهم وأشياعهم، وأرسلت رؤوس الثلاثة على يد الملك الصالح بن بدر الدين لؤلؤ إلى الموصل، وكان بدر الدين صديقا لسليمان شاة فبكى، ولكنه علق رؤوسهم خوفا على حياته.
في يوم الأحد 14 من صفر سنة 656 هـ الموافق 10 شباط سنة 1258م، خرج المستعصم من بغداد ومعه أبناؤه الثلاثة أبوالفضل عبدالرحمن، وأبوالعباس أحمد، وأبوالمناقب مبارك، يرافقهم ثلاثة آلاف من السادات والأئمة، والقضاة والأكابر والأعيان، لتسليم أنفسهم وعاصمة العباسيين بلا قيد ولا شرط، ورافق هذا الخروج الجماعي للاستسلام الذليل، صراخ وندب وصياح من النساء، وارتفعت أكف عشرات الآلاف من المسلمين في وقت واحد تتضرع إلى الله أن يرفع عنهم الغمة، في جو قاتم مشحون بالرعب والدماء ورائحة الموت.
استقبل هولاكو المستعصم استقبالا لا ينم عن غضب منه، بل سأله بأسلوب مهذب عن صحته، وكلمه بالحسنى، وطلب منه أن يأمر بخروج كل سكان المدينة من منازلهم ومخابئهم حتى يحصوهم، فخالت على الخليفة الخدعة، وأذعن لطلبه، وخرج المنادون في كل أحياء بغداد ليعلنوا على المسلمين، أن كل من يود إنقاذ حياته وصيانة ماله وعرضه، فليخرج من المدينة، ويسلم ما في حوزته من سلاح للمغول.. ووقع الناس في بلبلة كبيرة، فمنهم من صدق وسلم سلاحه، ومنهم من ارتاب من سلامة الأوامر وصحتها، فاحتفظ واعتصم بداره وبقي بجانب عائلته.




