من تاريخ الجاسوسية.. الوزير والجاسوس الذي دمر إقتصاد مصر يستخدم تليفون رئيس الوزراء المصري غير المراقب لنقل المعلومات أولا بأول للمخابرات الأميركية

1
جرى تجنيد العميل الاميركي “يوسف رؤوف يوسف بطرس غالي” في صيف عام 1979 للمخابرات المركزية الاميركية ليتجسس على الرئيس “أنور السادات” الذي وقع لتوه معاهدة السلام مع إسرائيل لكن القدر شاء أن يكون تجسسه على مصر في عهد حسني مبارك.. بيانات ومعلومات تعرض الحقيقة منذ البداية وتثبت أن السفارة الاميركية أرسلت بطلبه آخر مرة في 1 شباط الماضي وفي اللقاء سلم غالي لمسؤول الاتصال بـ”سي آي ايه” آخر تقاريره التي أكدت للإدارة الاميركية انهيار أركان النظام المصري.
في القاهرة أمضى يوسف بطرس غالي العشرة أيام الأخيرة له في مصر في محاولات بيع كل أملاكه حتى إنه باع قصره الكائن بالعقار رقم 12 تقاطع شارع المرعشلي مع شارع طه حسين بحي الزمالك وبعد أن جمع ما خف وزنه وغلا ثمنه أفرغ بأمر مباشر من “زكريا عزمي” وبمساعدة “عاطف عبيد” كل أرصدته البنكية في مصر التي لم تتجاوز وقتها 65 مليون دولار اميركي كانت موزعة على عدد من البنوك المصرية وحولها على صناديق أرصدته الحقيقية التي تجاوزت طبقا لأرقام البنك المركزي الاميركي الفيدرالي 9 مليارات دولار اميركي في بنوك “باركليز” و”كريديت سويس” و”إتش إس بي سي” فروع نيويورك حتي إنه لم يترك مليما واحدا في حساباته البنكية التي أغلقت تماما في صباح الاثنين 7 شباط.
نصل إلى صباح الجمعة التاريخية 11 شباط 2011 والمشهد أمام قاعة كبار الزوار بمطار القاهرة غاية في الغرابة فمع أن يوسف قد أقيل ضمن وزراء حكومة “أحمد نظيف” في 31 كانون الثاني 2011 كما أنه قد أجبر دوليا على الاستقالة من منصبه الذي شغله منذ 6 تشرين الاول 2008 رئيسا للجنة السياسات المالية بمجلس إدارة صندوق النقد الدولي إلا أنه ظل محتفظا (وحتى يومنا هذا) بجواز سفره المصري الدبلوماسي حيث فتحت الصالة لعائلة يوسف بطرس غالي هو وزوجته ميشال وأولاده نادر ويوسف ونجيب وهم يحملون حقائب لا تدل علي أن هؤلاء لن يعودوا لمصر ثانية أو على الأقل إلى أن يتم إلقاء القبض على الأب ويهرع ضباط المراسم كعادتهم ينهون إجراءات سفر يوسف في طريقه كما أعلن للحاضرين لرحلة عادية لزيارة أسرة زوجته “ميشال خليل صايغ” في لبنان على متن الطائرة المتوجهة لمطار بيروت. بيروت كانت الرحلة الأخيرة في ملف غالي في مصر فقد انتهت وأسدل الستار عليها رسميا بعد أن استمرت من صيف 1979 وحتى صباح 11 شباط 2011 كعميل يتبع أخطر وحدات المخابرات المركزية الاميركية المعروفة باسم “NCS” أو الخدمة السرية القومية والتي يتبع لها قسم التجسس على وزارات المالية بالعالم وفيها يخدم أفضل العناصر الاميركية من حيث التدريب والتأثير والاقتراب من مصادر المعلومات بالعالم.
الأب الروحي للعميل يوسف بطرس غالي كان “ستانسفيلد تيرنر” المدير رقم 12 حيث تولى رئاسة جهاز “سي آي ايه” من 9 اذار 1977 وحتى 20 كانون الثاني 1981 ومن أول يوم له في الجهاز كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد تطورات حادة وسريعة وكانت المحادثات السرية للسلام بين مصر وإسرائيل قد انطلقت في المغرب بوساطة اميركية فأراد الرئيس الجديد للمخابرات المركزية الاميركية أن يزرع الجواسيس في كل ركن من أركان الرئيس السادات حيث كان غالبية الساسة في العالم يخشون مناوراته السياسية التي خدعتهم من قبل وكان يومها حتى نائبه “محمد حسني مبارك” قد أصبح لاعبا أساسيا معهم ولم يجد تيرنر أفضل من غالي ابن العائلة المصرية العريقة كي يستميله.
كانت خطة إعداد يوسف بطرس غالي ستمر بمحطات طويلة تجعل أي تحليل مضاد لنشاطه يلغي فكرة احتمالية أن يكون قد جند في اميركا فكانت أفضل وسيلة هي زرعه في صندوق النقد الدولي غير أن تيرنر يفقد وظيفته ومع ذلك قبل أن يترك مكتبه يعهد إلى “ويليام كيسي” المدير الجديد لـ”سي آي ايه” بملف غالي فيبدأ كيسي بتطوير عملية غالي بداية من 28 كانون الثاني 1981 لكن خططه كلها تنهار حيث قتل في مصر “أنور السادات” في 6 تشرين الاول 1981 وهو الهدف الذي قامت عملية غالي لأجل التجسس عليه فيقرر كيسي أن الظروف ربما تكون أفضل بالنسبة لعملية غالي خاصة أن الرئيس الجديد حسني مبارك هو أيضا عميل قديم للمخابرات الاميركية.
في مدة كيسي نقل غالي أولا بأول لاميركا أهم الأحداث التي برز فيها صراع مصر على استعادة طابا واستكمال تطبيق معاهدة السلام بين القاهرة وتل أبيب بالنسبة لاسترداد كامل أرض سيناء واستكمال خطط الانفتاح الاقتصادي وبداية العلاقات التطبيعية مع إسرائيل ونقل غالي في تلك المدة أهم المعلومات فكانت طبقا لما ذكر أغنى مدد تشغيله حتى إنه في عام 1987 كان قد أصبح بين أفضل مصادر المخابرات المركزية الاميركية بالشرق الأوسط كله، وفي تلك المدة كان غالي مستشارا لرئيس الوزراء “عاطف صدقي” ومستشارا لمحافظ البنك المركزي المصري.
في تلك المدة كان الاقتصاد المصري الحقيقي لعصر مبارك يتشكل فنسخ غالي كل الخطط وكل قواعد البيانات وكل الشفرات السرية ومحاضر الجلسات المغلقة بل تسجيل الجلسات المهمة ومثبت أنه كان يستخدم تليفون رئيس الوزراء المصري غير المراقب لنقل المعلومات أولا بأول للمخابرات الاميركية. غالي كانت مهاراته أقوى من غيره من العملاء بالجهاز فكان متقنا للإسبانية والبرتغالية والإيطالية والفرنسية والإنجليزية وكلها مهارات لغوية تدرب عليها وتمكن منها أثناء مدة تدريبه الطويلة منذ 1979 وحتى 1986 في نيويورك فاستغله ويليام كيسي للقيام بعمليات سرية في نيكاراجوا والبرازيل والبرتغال والمكسيك والدومينيكان وحتى في ساحل العاج في عمليات شديدة السرية ومن المفارقات أنه بعد أن أصبح وزيرا للمالية في مصر وذاع صيته تعرف عليه رؤساء المخابرات بدول اميركا الجنوبية من عملياته السابقة في بلادهم وكانوا يتبادلون النكات معه علانية على دوره في تلك العمليات. وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد أرادت في عام 1990 بعد أن اشتهر في مصر أن تكتب تحقيقا عن عمله لحساب “ويليام كيسي” غير أن سي آي ايه صادرته لدواعي الأمن القومي قبل طباعته لكن كثيرين بالعالم كانوا قد عرفوا بالقصة كان بينهم اللواء “علاء الويشي” في المخابرات المصرية حيث كشفه لمبارك.




