ثقافية

محمد ديجان.. العدسة اللاقطة لمعاناة أصحاب “عربات الشقاء والجوع”

 

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد رحيم يوسف أن أعمال محمد ديجان الفوتوغرافية لاسيما صور العربات التي تجر او تدفع ليعتاش عليها أناس وصلوا حدود الجوع واليأس المطبق لفتت أنظار المتلقي والدوائر الفنية والثقافية على حد سواء لتنتشر اعماله انتشارا كبيرا فكان العدسة اللاقطة لمعاناة اصحاب “عربات الشقاء والجوع”.

وقال يوسف في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): إنه كلما تذكرت المرة الأولى لركوبي لأول مرة عربة يجرها حصان تتملكني الدهشة ، حتى وانا في خريف عمري الان،  كان ذلك حين اصطحبني صديق صباي فرحان القريشي المعاق مثلي على عربة يجرها حصان يوزع فيها الاعلاف في ازقة مدينة الثورة ، وكانت فرحتي الكبرى تحدث حين يسلمني لجام الحصان لاقود العربة منتشيا، ومابين نشوتي وحركة الحصان الرشيق وهو يجر العربة رافعا راسه بخطاه الثابتة في ذاكرتي اشعر بالكثير من الحزن وانا انظر صوب العربات المتروكة بانتظار ان يجرها شخص ما باعتبارها وسيلة للرزق او العربات التي يجرها البعض بالكثير من المهانة والياس.

واضاف: أن تلك العربات المتجسدة في الصور الفوتوغرافية هي التي يلتقطها المصور البارع محمد ديجان ، العربات التي تجر او تدفع ليعتاش عليها أناس وصلوا حدود الجوع والياس المطبق ، يبحث عنهم ديجان بدرايته المعروفة ، لكنه لا يلتقطها كيفما اتفق ، بل دراسة الظل والضوء والتكوين العام للقطة لاحالتها الى اعمال فنية تمتلك اسرار دهشتها ، ولعل المفارقة المضحكة حد الالم ، ان اجداد هؤلاء الذين يجرون تلك العربات وهم في خريف اعمارهم بالكثير من الجهد والشقاء ، هم من اخترعوا العجلة والتي جاءت العربة نتاج لاختراعها .

وتابع:ولأسأل الى اي مدى يستطيع الفنان التعبير عن شقاء الاخر  بينما تسحقه الحياة يوميا دون رحمة سوى أن يفترضه شقاؤه الشخصي بوعي او دون وعي منه ؟ ليعبر عن ذلك بتدوينه بطرائقه المختلفة ، هذا التدوين الذي يتحول الى نوع من العزاء ، والفنان هنا يعزي ذاته قبل تعزية الاخر الذي لا يبحث عن العزاء ، بل يبحث جاهدا للتقليل من ألم الشقاء الذي يسحقه الى الابد دون وجود حلول في الافق ، ولعلي لا اغالي اذا قلت بان الفوتوغرافي محمد ديجان تناوله كثيرا وهو ( العربات ) اصبح هو المعزي ومتلقي العزاء في ذات اللحظة اثناء تدوينه المدهش لها بصريا .

واوضح: ان محمد ديجان الفنان الذي تخرج من معهد الفنون الجميلة/ قسم الفنون التشكيلية ، مارس الرسم في بداياته الاولى حتى تعلمه اكاديميا ثم علمه لاحقا بالكثير من الشغف للصغار في المدارس الابتدائية في المناطق الشعبية ببغداد ، هولاء الصغار الذين أضافوا له الكثير ليظهر فيما بعد باعماله الفنية الفوتوغرافية ، فلم يمت في داخله هوسه بالسينما الى جانب الرسم ايام شبابه قط ليتحول كليا نحو الفوتوغراف لاحقا .

وواصل :لايمكن للمشاهد المرور سريعا دون التوقف امام اعماله لانها تفصح عن مقدرة فنية كبيرة وخيالا واسعا يتيح له إنجازها بتميز ، وهو دائم البحث عن المهمل والمنسي/ كما قلت سابقا عنه/ ليحيله الى المدهش ، يجوب الدروب والشوارع بحثا عن موضوعاته التي يبثها بامكانياته الكبيرة التي تمسك بالمتلقي للتفاعل معها .

واشار الى ان الفنان محمد ديجان يتعايش مع محنة الاخر المسحوق ، بل يعيشها عبر التقاطات فطنة لتحول الاغراض المعروفة للعربات الى أغراض اخرى مختلفة كليا بفعل الاستخدام ، ففي اكثر من عمل متقن يرصد تحول العربة الى أداة تمارس فيها الطقوس الدينية وهي تحمل الأطفال او كبار السن باتجاه اضرحة الائمة والاولياء بحثا عن إشباع الحاجات الروحية والسكينة ، وهو في تلك اللحظة يتحول الى جزء من الحدث دون وعي منه ، اما في اعمال اخرى كعمل الرجل الذي يجر عربة للتسوق وهي الاخرى فرغت من غرضها لتصبح وسيلة للعيش وكسب الرزق وبدت وكانها تسحبه باتجاهها مشكلة مع انحناءة ظهره مثلثا لشقائه الابدي ، فيما بدت اخريات مجسدة لحالة الانتظار الازلي للانسان وهو يعيش محنته بحيث حولها الى كل متوحد مع تلك الكائنات الممتحنة .

وختم : اود التنويه بانه لايمكن الإحاطة بكامل تجربته الفوتوغرافية التي امتدت طويلا على صعيد الإنجاز وهي تدون الانسان في راهنه وفي جميع همومه وتقلبات حياته .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى