الرِّثاءُ المدْحِي في قصيدة (هي مزحتنا الأخيرة)

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد أ.د مصطفى لطيف عارف أن الشاعر منذر عبد الحر أجاد الرِّثاء المدْحِي في قصيدة “هي مزحتنا الأخيرة” وقد اتَّسم بصدق العاطفة , وعمق الأسى , وصدق الموقف الشِّعوري , وبالأخصِّ فيما يتعلَّقُ برثاء صديقه محمد علوان جبر
وقال عارف في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): إنَّ رِثاءَ الآخَر لدى الشاعر منذر عبد الحر وقد اتَّسم بصدق العاطفة , وعمق الأسى , وصدق الموقف الشِّعوري , وبالأخصِّ فيما يتعلَّقُ برثاء صديقه ( محمد علوان جبر ) , وندب الذات والأصدقاء , فالذاتُ تقطرُ حزناً و ألماً على مصابِها النَّاتج من شعورها بقرب لحظة الموتِ منها , لذلك التجأت إلى رثاء ذاتها بالتَّفجُّعِ والبُكاءِ ، الأمرُ الذي ازداد حرارةً وغُصَّةً مع ندب صديقه خاصَّةً وأنَّ القدرَ قد اختارَهُ , واختطفَهُ بعيداً عن أحضان الشاعر , فكان لذلكَ الموقف جُرحاً غائراً تركَ أثراً عظيماً في نفسهِ .
وأضاف: إذ يرثيه بألفاظٍ تدلُّ على مدى الحزن العميق الذي خلَّفهُ ذلكَ الرَّحيل في قلوب أهلهِ ومُحبيهِ , فذكراهُ وطيفُهُ لا يأبى مُفارقةَ مخيَّلة الشاعر , فقد كان في حياتهِ كظله من كثرة التردد على المكان نفسهِ , ولكن آنَ الأوانُ أن يرتحلَ إلى مكانٍ آخر حيثُ الرُّقادُ الأبديُّ , إلى قبرٍ مُوحشٍ تنفصلُ فيه الرُّوح عن الجسدِ كما ينفصلُ السَّيف عن الغمدِ , وقد عبَّرت الحروف عمَّا بداخلِها فهي تتأوَّهُ على فَقْدِ الشاعر فهو صديقُه الذي تركَه بعيداً حتى أوشك على اللحاق بهِ ، ويستعرضُ عدداً من مميزات شعرِهِ , فنراه يقول :
كل ضحكة غرسناها
أفصحت عن وردة
كل خطوة باتجاه الجنوب
عبدتها أحلامنا بالشجن
كل وجع صمتنا أمامه
غنت ذكرياتنا
لنرسم معا قاربا
يحمل آهاتنا موالا
ودعاء خفيا
يا ما لاذ خوفنا بظله
وتابع: إن الأسلوب الشعري عند الشاعر منذر عبد الحر ينماز بالبساطة , و لغتُهُ الشعرية التي كثيراً ما تقتربُ من الكلام السائر أو العبارة النَّثرية ، وهو إذ يتأمَّل الحياةَ يكشفُ عن وعي مُباشرٍ بالمشهد من حوله , كذلك استطاع أن يعكسَ وعياً بالحياةِ اليوميَّة فعالجَ كثيراً من مواضيعِها من غير تَعثُّرٍ أو ازدراء , ومن ثَمَّ فهو معني عنايةً مُخلصة بالحياة والوضعية الإنسانية , ولهُ القدرة على تصوير المواقف المثيرة للأسى أو الفرح في سهولةٍ و وضوحٍ من غير كُلفةٍ أو تصنُّع, وهذا يدلُّ على تعظيم مرثيِّهِ وإعلاء شأنِهِ ومكانتهِ بكلماتٍ تدلُّ على البساطة والتَّواضع ودماثة الخلق ، الأمر الذي جعلَهُ يحتلُّ موقعاً متميِّزاً بين النَّاس , فضلاً عن بساطة الأسلوب الشِّعري واللغة السلِسة التي تصِل إلى قلوب الناس, فنراه يقول :
لا تستعجل
قف قليلا
لم أرك منذ غابة قلق
هل اشتقت لأقمار فلت
أعرف سياط نبلك
ربما دعوت صديقا لرحلتك
لكنه خذلك قلت له
أصدقاؤنا وحيدون
لنقم بزيارتهم
هم في وحشة ألآه
وأشار الى أنَّ هذهِ صفاتٌ محمودةٌ , وقد دخلت في إطار الزمن الماضي ” كُنْتَ ” للثناء على المرثي والإشادة بفعالهِ وخصاله إذ ليس بين الرثاء والمدح فرق ؛ إلَّا أنَّهُ يخلطُ بالرثاء شيء يدلُّ على أنَّ المقصود بهِ ميت مثل ” كان ” أو ” عدمنا به كيت وكيت ” وما يشاكل هذا ليعلم أنَّهُ ميِّت , فيثقل النَّص بالإيحاءات والإيماءات الدَّالة على شاعرية المرثي وخبرته , فقد كان يسيرُ على خطوات ثابتةٍ , ولم يلتوِ في أساليبهِ , ولم يعرف المُداهنة , ومن ثَمَّ فهو يهدفُ إلى إصلاح المجتمع وفق أُسس ومبادئ سامية , ويسعى إلى بثِّ الوعي التَّجديدي في مجتمعهِ الذي تغيَّرت وجهتُهُ الحقيقية على أثر التَّقاليد والأعراف الخاطئة , فهذهِ الشخصيَّة المرثية لا تترك طريقاً إلَّا وسلكتهُ في سبيل أن تصل إلى الشعر والمرح حتى وإن اضطرَّت إلى اختراق جميع الحُجُب الأرضية لتمرَّ فوق السَّحائب ، ليضطلع النَّص بخلق مساحةٍ ما بين القيد والسَّحاب ومدى ما فيهما من تَّباين ، الأمر الذي يستدعي فطنة القارئ إلى مدى القُدرات والطَّاقات الكامنة التي يتمتَّعُ بها المرثي في سبيل إيصال محتوى مادَّته ومضمون رسالته
وختم :إنَّ الشاعر منذر عبد الحر في موضوع الرِّثاء اتسَّم بأُفقَ التَّجديدِ الشعري , خرج إلى فضاءاته الواسعة , بل التزم معنى الرِّثاءِ التجديدي , ولم يخرج عن محور القصيدة الرثائية , أمَّا صفاتُ مَن رثاهم وفضائلهم فلم يمنحهم أبعاداً دلاليةً تَزيدُ عن الإشادة بهم , وبمصادر ثقافتِهم بين النَّاسِ , فضلاً عن ذلك فقد أكثرَ من معاني البُكاء والتَّأمُّل والحكمة التي تُصاحِبُ دلالةَ الرِّثاء , فضلا عن قدرته الفنية في رسم القصيدة بريشته الشعرية , ولديه أسلوب جميل ورائع في كتابة القصيدة الرثائية , وجاءت خاتمة القصيدة معبرة عن أساليب بلاغية جميلة من طباق ( ضحك- بكاء) وأسلوب التشبيه من خلال أداته كأنه ( يهمس ,كأنه يضحك بكاء ), وألفاظ الحزن والشجن , وهذا ما عودنا عليه الشاعر الكبير والمبدع منذر عبد الحر في قصائده كلها .



