اراء

الجيل الخامس من الحرب الأميركية يهدّد لبنان بالخراب

 

بقلم /أ. محمد الحسيني ..

 

تُحَدِّث الكثير من المقالات والدراسات عن نظريات الحروب الأمريكية وتطوّرها من الجيل الأول منذ ما قبل تسعينيات القرن الماضي، والتي تعتمد الجيوش المسلّحة المنظمة كأسلوب تقليدي يقوم على استخدام القوى العسكرية والأمنية في مواجهة الجيوش المقابلة وحسم نتائج الحروب بهدف فرض الهيمنة على الدول واستغلال خيراتها والتحكّم المباشر بالأنظمة وشعوبها، وصولاً إلى الجيل الرابع من هذه الحرب، التي تعتمد أساليب مختلفة لا تتطلب تكاليف مالية وبشرية.

زعزعة الاستقرار

أبرزت المقالات والدراسات، في حديثها عن الجيل الرابع “للحرب غير المتماثلة” (Asymmetric Warfare)، سلسلة محاضرات ألقاها الباحث الأمريكي في الاستراتيجيات العسكرية ماكس مانوارينج، أوضح بمجملها أن “الهدف من هذا النوع من الحرب ليس تحطيم مؤسسة عسكرية، أو القضاء على قدرة دولة لشنّ مواجهة عسكرية خارج حدودها، بل الهدف هو الإنهاك والتآكل البطيء والثابت لإرادة الدولة المستهدفة، وتحويلها إلى دولة فاشلة من أجل اكتساب النفوذ والتأثير، وإرغامها على تنفيذ أهدافنا، وصولاً إلى التحكّم وامتلاك نقطة التأثير في العدو وإخضاعه لإرادتنا”، مشيراً إلى أن “القاسم المشترك في كل هذا هو ما نطلق عليه زعزعة الاستقرار“.

إفشال الدولة ببطء وهدوء

وزعزعة الاستقرار في الدولة الفاشلة، وفق ما يرى مانوارينج “ينفذّها مواطنون من الدولة المستهدفة… فحين لا تتحكّم الدولة في كامل إقليمها نطلق عليها عادةّ مصطلح “إقليم غير محكوم”، وحتى لو كان هذا الإقليم محكوماً، ولكن تتحكّم به مجموعات غير تابعة للدولة، محاربة وعنيفة وشريرة، وبذلك نستطيع التدخّل والتحكّم، وبالتالي تتلاشى هذه الدولة ولا تعود موجودة، فتنشأ الحاجة إلى أن يرعاها طرف ما ويديرها…”. ويركّز الباحث الأمريكي على أن “الدولة الفاشلة ليست حدثاً بل هي مشروع يتم تنفيذه من خلال خطوات بطيئة وبهدوء كافٍ، وإذا فعلنا هذا بطريقة جيدة، باستخدام مواطني الدولة المستهدفة، فسيستيقظ عدوك ميتاً“.

اعتمدت الإدارة الأميركية هذا النوع من الحرب الناعمة التي تعمل على نشر الفتن وإثارة الاقتتال الداخلي، في مصر وسوريا وإيران وفي معظم نسخ ما يسمّى “الربيع العربي”، وحرّكت مجموعاتها البشرية في الداخل بموجب برنامج ممنهج يخضع لتحديث مستمر. ولبنان ليس بمنأى عن هذا المسعى فقد أصبح منذ عام 2017 هدفاً مباشراً لهذه الحرب، وتمظهرت بشكل فعّال اعتباراً من 17 تشرين الثاني 2019، وأفرزت المجريات ترجمة فعلية لما تحدّث به مانوارينج لجهة إفشال الدولة، حيث تحرّكت مجموعات محدودة العدد لا تجمعها هوية سياسية محدّدة، حائزة على تمويل كافٍ، ومدعومة بشبكة اتصالات وتغطية إعلامية مركّزة وواسعة، لتفرض واقعاً تخريبياً، أدّى إلى شلّ مؤسسات الدولة وحكومتها وأجهزتها العسكرية والأمنية.

لبنان أرض خصبة للخلافات

لا تجد التركيبة اللبنانية السياسية والاجتماعية والحزبية مثيلاً لها في كيانات الدول، ولكنها تشبه تركيبة المنظومة الكونية برمّتها من حيث تعدّد الأعراق واختلاف الولاءات وتنوّع الثقافات، ولذلك وجدت الإدارة الأميركية أنها تشكّل أرضية لاعتماد أسلوب الإنهاك والتآكل البطيء بدل إسقاط النظام مرة واحدة، لأن ذلك يفيد في إشعال نار الخلافات الداخلية تحت عناوين تبرز التناقضات ما بين مكوّنات النسيج الوطني اللبناني، وتسهم في استنزاف قدرات الدولة أكثر، بحيث تجد الدولة نفسها “تقاتل على جبهات متعدّدة محاصرة بضباع محليّين من كل الجهات، بصرف النظر عن وقوع ضحايا، لأن الهدف هو السيطرة ومحو الدولة والمجتمع“.

المقاومة في مواجهة الجيل الخامس للحرب

استطاعت منظومة المقاومة إفشال الأهداف الأميركية التخريبية، ما دفعها للانتقال إلى الجيل الخامس من الحرب والذي يقضي باعتماد سياسة “التفجير من الداخل”، والركيزة الأساسية في هذا النوع من الحروب هي من خلال ضرب الاقتصاد وتوظيف وسائط التواصل الاجتماعي وتجنيد وسائل الاعلام لإثارة الفتن وزعزعة الاستقرار، عبر بث الشائعات وتحوير الحقائق وتلفيق التهم اعتماداً على قوالب تأخذ شكل “المعلومات”، بغية تحقيق اختراقات ثقافية وسياسية في المجتمع اللبناني تحت عناوين دينية وعرقية وطائفية. وتستعجل واشنطن تحقيق هذا الهدف قبل الاستحقاق الانتخابي لأنها تعتبره مفترقاً حاسماً في تغيير النظام اللبناني وتحويله إلى دولة تابعة، وهو ما لا يمكن أن يحصل، لأن منظومة المقاومة، التي أعلنت رفع مستوى المواجهة لتصبح مباشرة مع “الراعي” الأمريكي، والتي حمت لبنان الدولة والنظام من السقوط وحفظت سيادته، لن تسمح بأن يكون ساحة نفوذ أميركي يستفيد منها العدو الإسرائيلي في نهب ثرواته وخيراته، حتى لو ارتضى ذلك بعض التابعين في الداخل الطامحين إلى السلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى