المسرح والخروج من الدائرة المغلقة

مروان ياسين ..
يمتلك الفن المسرحي افقا واسعا تتيحه معطيات مشغله التقني القائم على استمرارية عملية هدم وبناء الأفكار والأشكال المعبرة عنها طيلة فترة التمرين بقصد استيعاب المغامرة الفنية والأخذ بها إلى أقصى مدى من الانفصال عن ذات الفنان في حضور موضوعي قابل للإدراك الحسي، بما يجعلها في موضع متبلور يفضي إلى مجترحات وحلول جديدة، تتواصل مع الأسئلة المتحركة في ذات الإنسان حول القضايا المطروحة في العرض.
في تعامل المخرج مع النص الأدبي بدون أن يستجيب إلى مدركات النماذج النصية المتداولة فإنه بذلك يعيد اكتشافه من جديد متحركا في مواطن مغلقة لم تُستنطق من قبل المؤلف، بذلك يكون دوره متجاوزا ما يتحرك على السطح من مكاشفات، مصحوبا بعدته المسرحية القائمة على التقنيات والتخييل للخروج من النمذجة في التعاطي مع النص والتي لا ينتج عنها سوى حلقة مفرغة من التكرار والنمطية في بناء العرض، فهو ينظر إلى النص المسرحي باعتباره دائرة مغلقة من المعاني والدلالات المكتفية براهنيتها، ويجد العلاقة معه أشبه بالعلاقة ما بين خطين متوازيين لا يمكن لهما أن يلتقيا، وهذان الخطان هما: النص والمخرج قبل العرض، والمخرج والمتلقي بعد العرض. فالصراع هنا بغاية الثراء، ولا ينتهي، وعلى ذلك تتسع وتتعدد زوايا الرؤيا إلى الموضوعات والأفكار ما بين المؤلف والمخرج والمتلقي في إنتاج التجربة المسرحية.
وعليه فإن كل الصياغات الإجرائية في الحذف والتعديل والإضافة وإعادة التركيب من قبل المخرج ماهي إلا محايثة للنصوص بمعان جديدة للوصول بالعمل المسرحي إلى أن يكون حركيا في آلية تعامله مع النص ومشتبكا معه وليس مستسلما، وهذا الاشتباك لن يتوقف حتى بعد انتهاء العرض، بل تستدعي هذه العلاقة الجديدة كل عوامل التحريض على طرح الأسئلة والسير في طريق التأمل والتاؤيل.
في كتابه الموسوم “الدراما بين النظرية والتطبيق” للمؤلف ديفيد برتش الصادر عن المشروع القومي للترجمة في مصر يتطرق إلى الأزمة التي حصلت عام 1973 بين كل من جون اردن ومارغريتا دارسي مع مخرج العرض المسرحي المأخوذ عن نصهما الموسوم “جزيرة الأقوياء” الذي قدمته فرقة شكسبير اللندنية، حيث عبرا عن احتجاجهما الشديد على ما أقدَم عليه المخرج من تعديلات على النص بالشكل الذي جعل العرض يطرح أفكارا جديدة تبتعد كثيرا عما طرحه مُؤلِفَا النَّص، فلم يحتملا هذا الإجراء الذي أقدم عليه المخرج، ووجدا فيه خيانة للنص، لأنهما كانا يعتقدان أن لا أحد غير المؤلف المسرحي يمكنه أن يؤكِّد المعنى، وأن مهمة المخرج تقتصر على تفسير النص من خلال أفكار المؤلف، ووظيفة المخرج من وجهة نظرهما لا تكمن في تغيير الحقيقة التي هي أفكار المؤلف، إنما في عرضها على خشبة المسرح بدون أدنى مواربة، بمعنى أن المخرج ليس مسؤولا عن المعنى، إنما عن أسلوب وأداء التمثيل المسرحي.



