اراء

الأحزاب السياسية العراقية وتضاعف أعدادها

سامر فاضل ابراهيم‎

إن سقوط بغداد في العام 2003 والذي يترادف مع سقوط النظام كان السبب الرئيسي في الإنفتاح على إنشاء الأحزاب السياسية في العراق . فحرية إنشاء الأحزاب وزيادة العنصرية والطائفية في العراق جعل منه خلية أحزاب تتنافس بصورة مميتة على السلطة وإن غياب الأمن في البلاد جعل منه ساحة للصراع بين هذه الأحزاب فبعد سقوط نظام المقبور صدام مباشرة تم إنشاء مجلس الحكم العراقي الذي كان أغلب أعضاءه موجودون في الخارج

ومنذ ذلك التاريخ، تواجدت الاحزاب العراقية في العملية السياسية بشكل فوضوي في ظل التغيب المتعمد لقانون الأحزاب. ومنذ الوهلة الأولى لم تبادر تلك الاحزاب بوضع قانون لها -قانون الاحزاب- الذي قر مؤخراً، ولم تستطيع الاصطفاف أو الائتلاف بشكل وطني، وإنما شرعت إلى التمثل الطائفي منذ بداية التغير، وتغيب دور الدولة، لا سيما الاحزاب العربية، وعلى عكسها الاحزاب الكردية- استطاعت أن تذوب أو تؤجل خلافاتها السياسية التاريخية من أجل بناء الدولة الكردية داخليا تمهيداً لإعلان الاستقلال؛ ليكون اصطفافها اصطفافاً براغماتياً، بإبعاد مستقبلية، مستفيدة من نزاعات الاحزاب العربية، وغياب رؤيتها في بناء الدولة العراقية.

وتبقى الرؤيا الوطنية للاحزاب العراقية باهمية تمثيل جماهيرها، قبل أن تفشل في وضع برامجها السياسية والحزبية والانتخابية ورؤيتها في بناء الدولة، ليزداد الصراع والانقسام الداخلي فيما بينها؛ لأنها لم تطمح وتتفق مع بعضها على وضع مشروع وطني وخارطة طريق مشتركة تستطيع من خلالها تمثيل مكوناتها، ووضع مشروع لبناء الدولة بشكل صحيح، لتتنافس تنافس وطني شريف بعيدا عن الصراعات الطائفية والقومية.

ولم يقتصر الصراع بينها على تمثيل مكوناتها بل امتد الصراع والانقسام السياسي والانشقاقات الحزبية داخل الحزب الواحد؛ نتيجة الاطماع السياسية والحزبية والصراع على الثروة، وكسب الهوية، والوصول إلى السلطة ومراكز صنع القرار بأي وسيلة كانت؛ حتى اخذت بعض تلك الاحزاب بتشكيل اجنحة عسكرية لها؛ لتصارع السلطة المركزية في حالة التعارض السياسي أو اختلاف الرؤى بينهما، لتتفاقم تلك الصراعات مما ادت إلى تشظي الحزب الواحد والكتلة الواحدة إلى أحزاب متصارعة فيما بينها داخلياً على تمثيل هوية الطائفة الواحدة؛ ليتطور ذلك الصراع الطائفي إلى صراع مذهبي فئوي- مناطقي بإبعاد شخصية وولاءات ضيقة، حتى غيب دور الدولة، وتضعضعت إرادتها لترتبط بإرادة خارجية اكثر مما هي داخلية؛ نتيجة للصراعات لتلك الصراعات، لتتوزع السلطة والإدارة بين القوى السياسية والحزبية بدعم خارجي. حتى اصبح الحزب السياسي مرجعاً قانونيا ودستوريا بديلاً عن الدولة والقانون.

وقد شهدت السنوات الأخيرة انقسامًا حادًا داخل المشهد السياسي للقوى السياسية الشيعية والسنية، تعود أكثر تجلياته وضوحًا إلى أواخر عام 2009، عشية الإعداد للانتخابات النيابية التي جرت في آذار/مارس 2010، حين لم تستطع التنظيمات السياسية دخول الانتخابات بائتلاف انتخابي واحد، على نحو ما كان الأمر في انتخابات 2005، بل دخلت تلك التنظيمات بأكثر من ائتلاف. لتزداد الانقسامات مع كل دورة انتخابية جديدة.

اذ تعد هذه الصراعات هي نتيجة طبيعة لأحزاب نمت وتربت على الفوضى السياسية التي خلقتها في ظل التغيب قانون الاحزاب وتعطيل الدستور، واعتماد سياسية توافقية في إدارة الدولة بعيداً عن الاستحقاق الانتخابي والأغلبية السياسية، وغياب لمفهوم المعارضة السياسية، مما أدى إلى الغياب التام لمفهوم الدولة ومنظومتها السياسية والإدارية.

هذا الصراع وعدم التوافق، وغياب الرؤية السياسية وعدم وضع استراتيجية حقيقية مشتركة لعملية بناء الدولة العراقية واستشراء الفساد؛ تسبب بخلق الازمات وتراكمها على مدار الفترة الماضية، وعادةً ما كانت تلك الاحزاب تحل الازمات السياسية بالتوافق فيما بينها بطريقة تقسيم الكعكة، أو حل بعض تلك الازمات مالياً لا سيما مع الميزانيات الانفجارية للدولة العراقية في ظل ارتفاع اسعار النفط وزيادة صادرات العراق النفطية، لتغّيب بذلك الحلول الجذرية.

وبالتأكيد كل هذا انعكس سلباً على الوضع السياسي والأمني والاقتصادي والبنية الاجتماعية للمجتمع العراقي؛ ليتسبب في انتشار الفساد في كل مؤسسات الدولة العراقية، فضلاً عن التوسع في الكابينة الوزارية والاستحداث الوزاري وغياب رؤية صانع القرار، لتصبح وزارات الدولة ومؤسساتها مقسمة حزبياً وطائفيا بين هذه الطائفة وتلك أو بين هذا الحزب وذاك، كذلك الحال بالنسبة للمؤسسة العسكرية “الدفاع والداخلية”.. مما أدى إلى انهيار الدولة العراقية بعد 12 عام من التغير في بنية النظام السياسي والاقتصادي وطبيعة الحكم.

اليوم وبعد ان توصلت القوى السياسية الى نتائج كبيرة تمخضت باقرار قانون الاحزاب السياسية التي يظهر مدى حجم هذه الاحزاب والاجندات التي تمولها يعد بالامر الايجابي الذي ربما يخلق اجواءا سياسية مستقبلية تسهم في رسم ملامح جديدة لواقع البلاد ونشئات تلك الاحزاب التي لطالما كان عملها في السابق يتسم بالعشوائية والعبثية غير المنطقية .

بالمقابل على كل القوى السياسية العراقية أن تدعم كل ما هو إصلاحي حتى وأن قفز على الدستور؛ لأن الإرادة الجماهيرية هي القاعدة الشرعية وأن الشعب هو مصدر السلطات. ولذلك فهي مجبرة اليوم على الإجماع على مشروع وطني حقيقي جامع لكل العراق، إذا ما أرادت أن تعيد بناء الدولة وتضعها في الطريق الصحيح.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى