ثقافية

الأخرس 

 

  مصطفى العارف  ..            

 

لا أتذكر ما حدث بالضبط ,أفقت من غيبوبتي  ,شعرت بحرارة جسمي ساخنة جدا فقدت الوعي على أثرها , عاد لي الوعي مرة ثانية , تثاقلت أعضائي عن الحركة هزني منظر والدي, وهو يبكي بصوت شجي, وعال يسمعه من في المستشفى , أحس بالطبيب يتعاطف معي ,وهو يتحدث :  – قال بصوت رقيق :- ماهر أنت بطل؟  وفي الغد تخرج من المشفى؟  لكني لا استطيع الحركة ,والكلام كأنني في خيال .

 نطقت  بكلمات لم يفهمها الجميع ,بدأت الحيرة عندهم, أنا أتصور إنني انطق نطقا سليما  ,وهم لا يفهمون ما أقول انتابتني الدهشة , طلب مني الطبيب الوقوف والسير على أقدامي لم استطع الحركة ,والنهوض إلا بمساعدة أبي وأمي , وفي اليوم التالي حضر الطبيب ومعه كادرا طبيبا تحدث معهم بلغة لم افهمها فقط انظر إلى شفاههم تتحرك نحوي ,وأنا منهار جدا حملت على كرسي متحرك ,وكلما تحدثت مع أي شخص يركز في كلامي مرات عدة, ولا يفهم ما أريد انتابني الحزن والقلق , بدأت الجآ إلى الإشارات من خلال تعابير ,وجهي مرة تعبر عن الغضب , وأخرى عن  الرضا إذا أردت شيئا  ولم ينفذ لي ارمي بنفسي على الأرض ,واصرخ صراخا قويا حتى ينفذ ما أريد , وبعد مدة زمنية طويلة تعايشت مع مرضي وكأنه خلق لي ,وتلبس معي طيلة حياتي  , بدأ الإحباط, والتذمر, والتشاؤم عندي يهاجمني من كل جانب ,تم عرضي على لجنة طبية قررت سفري إلى الهند للعلاج , ,وتبنت منظمة إنسانية حالتي المرضية ,قرر والدي مصاحبتي إلى الهند ,وكان موظفا بسيطا لا يملك غير قوته اليومي ,وعائلتنا كبيرة ,  والدخل الذي يدخلنا لايكفي لسد رمق العيش , لكنه كان رجلا صبورا, وقنوعا ,ووالدتي أيضا كانت على قناعة تامة بمعيشتنا البسيطة ,وكانت تحبني كثيرا ذهبت معنا في رحلتي العلاجية ,وتم حجز مقاعد الطائرة التي تقلنا يوم الاثنين الساعة التاسعة صباحا من مطار النجف الأشراف  وانطلقت السيارة مسرعة نحو مطار النجف , جلست بالقرب من شباك السيارة , ارى المناظر الطبيعية  الخلابة , نظرت إلى عيني والدتي وهي تنهمر منهما الدموع انهمارا , وشاهدت والدي ينظر لي نظرة حنونة شعرت  بعطفه ,وحنانه, وهو يجيل النظر بحسرة وألم ,دخلت المطار, شعرت بالخوف, والرهبة , , بدأت الطائرة بالصعود تدريجيا نحو الأعلى شعرت بضيق نفسي ,ومن المنظر المخيف الذي أشاهده للمرة الأولى  حتى برز شعاعا نورانيا مقدسا ممتدا من الأرض إلى السماء ,عرفته بفطرتي انه قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام , وهو نور الأرض, وانتشرت أشعته كقوس قزح , حينها شعرت بالاطمئنان والاستقرار, وأخذت الطائرة تنحني أجلالا وتقديرا لمقامه الشريف, وتطلب الإذن منه بالرحيل , وصلت طائرتنا إلى مطار الهند الدولي , كانت تنتظرني سيارة إسعاف أيضا صعدت فيها, استقبلني كبار الأطباء , شعرت بالرهبة, والفزع إذ أنني لم أعتاد على مشاهدة منظر الأطباء الكبار, وهم يتراطنون بلغة  لا اعرفها , دخل معي صالة العمليات والدي ,وهو يمسد على شعري :- قال لي بلهجة حنينه0 :- ولدي ماهر توكل على الله ,وسوف تنجح العملية أن شاء الله 0  شعرت بسعادة غامرة, وأجريت لي العملية إلا أنها فشلت لتأخري بالحضور, استفقت من العملية على بكاء ,وعويل أمي, وهي تلطم خديها ,وأبي يحملني ,ويحضني وهو يبكي أيضا, بكيت دما على شبابي الذي تلاشى ,واضمحل ,وأصبت بصدمة قوية عندما سمعت المترجم  يخبر والدي :-  ماهر من ضحايا الحرب الأمريكية على العراق , عندما انفجرت العبوة قربه أفقدته  الحركة ,والنطق.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى