المرئي واللامرئي في اللوحة التشكيلية

جاسم عاصي..
اللوّحة.. أي لوّحة لها محمولات يفرزها الواقع على رؤى الفنان. وهذه المحمولات غير منفصلة عن بعض، بقدر ما تدور في فلك اللوّحة ( الفيكَر) أو وحدة النص التشكيلي. فمهما اختلفت المعيارية، يبقى المحتوى وما يتمثل فيه قادراً على جذب الذائقة للمتلقي البصري أولاً، ثم مثيراً لذائقة الناقد أو الدارس ثانياً. من هذا نرى أن الخطوط والألوان وتمثيلاتها تكون في حالات متباينة بدرجة اللوّن، وطبيعة الخط النازل والصاعد، أو تماهي الألوان وتداخلها، فإن هذا دال على بنية سردية قادرة على عكس ما هو مرئي في الواقع، برؤى فنية خالصة.
فالجمالية هنا تصبح هي المعيّار الذي تُقيّم من خلاله اللوحة، وهذا أيضاً خاضع للنسبي. فالمحتوى يعكس طبيعة الواقع افتراضاً، كذلك نظرة الفنان يقيناً. فعلاقة اللوّحة بالواقع قوية مهما اختلفت المناهج الفنية المنفَذة بها اللوحة، لأنها أساساً تعتمد مبدأ ملاحقة الانعكاس الذاتي ــ الجمعي. فالفنان كائن يتفحص ما حوله، وله من المعرفة ما يُعينه على تشكيل رؤاه، فنظرته معتمدة فلسفة معينة، صاعدة بأدواته نحو جدلية تلك العلاقة، بما يُحقق نوعاً من المهادنة تارة، والألفة بدرجة الاقتراب تارة أخرى. وهذا يُتيح له حالة بلوّرة رؤاه ونظرته المتجسدة في وحدات ما يُنجز، لاسيّما حين يكون الفنان أكثر معرفة وثقافة ذاتياً وموضوعياً. وهذا لا يُلغي الحس الفني البيئي، خاصة عند الفنان الفطري. فهو يمتلك رؤى اجتماعية فئوية وطبقية، ورؤى فلسفية بدئية تعمق من ظاهرة فرز الأشياء بما يخلق في إنتاجه نوعاً من الموازنة الفنية والفكرية ـ الجمالية.
أما في ما يخص المباشر وغير المباشر في اللوحة، فقد جسده ميرلوبونتي في ما ذكر في كون المرئي يُخفي لا مرئيا. وبذلك يقودنا سطح اللوّحة إلى معنى مضمر، بعد أن وضعنا أمام معنى ظاهر. والاثنان متلازمان، لأن الثاني يعمق الأول، بما يحمله من معان جديدة. فالمكوّنات عبارة عن دالات للوصول إلى اللاممكن المباشر من المعنى العام. وهذا بطبيعة الحال يُشير إلى حالة من جدلية تشكيل اللوحة بمحتواها الزاخر بالمعاني. فالمواد (الأشجار، الحجر، المرمر، الطين، الخشب، القماش) تُحوّل أشياء الوجود ومكوّناته إلى كلمات مرئية لتأليف خطاب فني متماسك. اللغة البصرية قادرة كالحروف في تجسيد الظواهر، فهي لغة مكتفية بمكوّناتها الفنية وفائضة؛ بمعنى منفتحة على الأجناس الأخرى تُعطيها وتأخذ منها. لقد ذكر غادامير في كون اللوحة نص تثبيت الكلام. فهي بذلك جزء من وسيلة المجتمع في احتواء مكونات وجوده، فهي صورة مفترضة وممكنة للواقع وفق منهج ونسبية نظرة الرائي البصري عند تقييم اللوّحة كخطاب. وهي رؤى لاحقة لفرضية الفنان حصرا.



