جمال العتابي يرصد أسرار الأمكنة وتأثيراتها

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي …
يرى الناقد جاسم عاصي ان جمال العتابيفي كتابه ” داخل المكان.. المُدن روح ومعنى” يرصد أسرار الأمكنة وتأثيراتها حيث لا مفر من الارتباط بالمكان وتأثيراته وعلاقاته التي تتسع لتاريخ الحيوات والوجود الإنساني.
وقال عاصي في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي):يُحيلنا كتاب جمال العتابي «داخل المكان المُدن روح ومعنى» إلى تصورات واستنتاجات تخص دراسة المكان والكيفية التي نتعامل بها مع هذا الحيّز، الذي قد يتسع أو يضيق. بمعنى لا مفر من الارتباط بالمكان وتأثيراته وعلاقاته التي تتسع لتاريخ الحيوات والوجود الإنساني. وما دراسات جاستون باشلار وياسين النصير، وأسعد الأسدي ومحمد الأسدي، إلا تأكيد على أوجه الأمكنة وتخريجات عقل الإنسان وهو يمارس العيش داخله، مسجلاً إسهامات وجوده، باعتباره واحداً مؤثراً وفاعلاً في حيّز يرتبط مع أقرانه، وفق مختلف الخصائص والاهتمامات الإبداعية والسياسية والفكرية والثقافية العامّة.
وأضاف:فإذا كان باشلار وهو يدرس المكان قد نبهنا كثيراً إلى سر الأمكنة وتأثيراتها وخلقها لمعنى وجود الإنسان منذ أصغر حيّز وهو العش. بينما النصير أثرى مشهد المكان بتخريجات واسعة، تكاد تكون أهم علامة في اشتغالنا الذهني، ما وسّع دائرة رؤيتنا وتفحصنا لما حولنا من جهة، ومن جهة أُخرى حفّز لدينا ملَكة الانتباه إلى كل ما يخص المكان بما تطرح تأملاتنا من مساحات فاعلة في الأمكنة التي نعيش داخلها، أو تلك التي نزورها، أو تذكرها. كما نجد الأسدي أسعد يربط منحى المكان بالعمارة ويوسّع دائرة اهتمامه هذا بتخريجات مهمة ولافتة للنظر، ما خلق جنساً بحثياً أحاط به إلماماً عبر أمكنة، بوحدة تتسع أكثر وهي العمارة مهما صغُرت أو كبرت، ابتداء من عش باشلار، إلى مأوى الأسدي/العمارة، التي شملها برهافة الحس الشعري في كتابه «شعرية العمارة» وتواصله ضمن مؤلفاته الزاخرة بالتنوع.
وتابع :أرى أن الأسدي نبهنا إلى الكثير من أسرار المكان وتنوع نظرتنا إليه، باعتباره صوَر في صورة متحركة وحيوية. في ما نجد الأسدي محمد، يتبع استعمالات المكان من باب علاقته بالإنسان، وخلقه لمحركات واضحة ومؤكدة لتلك العلاقة، حد التاريخ أيضاً. فالاستعمال للمكان يعني إنتاجه، وإنتاجه بما يرافقه من بنى شاملة تنبع من وجوده مضافاً إلى وجود الإنسان. إنه منحى وجودي خالص، آثر بناء المكان وإنتاجه. نحن ننتج أمكنتنا باستعمال أفكارنا، التي تدفعنا لخلق علاقة تاريخية مع الأمكنة، واعتبارها صياغة لتاريخنا الذاتي والاجتماعي والسياسي. فالعلاقة هنا إنتاجية، أي أن الإنسان يضع لمساته وبصماته، بما يُطلق عليه الهوية على المكان الذي يشغله. وبهذا يحقق الجميع هوياتهم من خلال أمكنتهم التي يشغلونها ويكيفونها لحياتهم الفردية والجمعية.
وأوضح: في مجموع الدراسات هذه وغيرها، أعطتنا فرصاً يمكن استغلالها على وجه يمتلك سعة الذهن والتصور، الذي يعمل على خلق الوشائج بين الأمكنة والاستنتاج، ما يفتح أُفق البحث عن المسكوت عنه في هذا المضمار. ولعل كتاب العتابي، نبهنا أيضاً إلى تاريخ الأمكنة التي عاش فيها مع أقرانه، وفق العلاقات البشرية ومعانيها في بيئات مختلفة، قد لا تختلف عن بعضها بالكليات، إلا أنها تتباين بالخصوصيات التي أفضت إلى تنوّع النظرات للأمكنة، من باب تشكيلات ما تنتجه من بنى قارّة محددة لبنيات جدلية بين الساكن (المكان) والمتحرك (الإنسان) أي أن صورة المكان ارتبطت بسيرة الإنسان، أي تاريخه، ما أضفى خصائص تشكيل هويته الاجتماعية والفكرية والسياسية، تلك العلاقات التي يقيمها الإنسان مع أمكنته المتعددة والمتباعدة عن بعض.
وبين: إن العنوان بشقيه؛ الأول (داخل المكان) لا يعني إهمال خارجه، بل هو إشارة إلى استكمال داخل المكان مع خارجه.. أي تشكيل وحدة متكاملة المحيط، فهو بهذا مارس التأكيد على تشكيلات المكان، ثم تأثيراته وصقله للشخصية. أما الشطر الثاني من عتبة الكتاب (المُدن روح ومعنى) فهو تأكيد على الكل من المكان، فالمدن مدونة تاريخية تتوزع وتستكمل معناها من التواريخ الفرعية… و(روح) تعني حيوية ما سوف يتناوله الكتاب، أي المجال الحيوي للمكان عبر المُدن، كما هي العمارة عند أسعد الأسدي. أما (معنى) ففيها تخريج يخص ما تتركه الأمكنة، جراء حيوية العلاقة بين الإنسان والمكان. لذا يوصلنا العنوان الفرعي إلى طبيعة ما سوف يجري من بحث يخص الأمكنة وخلقها لمعانٍ تنجبها أرواح تواقة للخلاص من المؤثرات السلبية التي تُعيق الحياة في المكان.
وواصل :في ما يخص لوحة الغلاف، فهي أيضاً جسدت خطوات الإنسان في المكان، وما يتركه من ظِل، ويعني به التاريخ أيضاً. لقد شكلت الخطوط والظل وصور المهملات واللونين الرصاصي والأسود تكاملاً للصورة المعبرة عن سيولة الزمان في المكان عبر الخطوات، وهي تقترب إلى حد تشكيلي مع لوحة الفنان يحيى الشيخ عتبة ديوان الشاعر محمد مهدي الجواهري «خطوات في الغربة» أي شارك الفن في كلا الكتابين في تجسيد مؤثرات الأمكنة في تغيرها وتباعدها، وعلاقتها بالبنية النفسية للإنسان. في العتبة الثالثة التي خصت التوثيق الذي أشرنا إليها أعلاه، وقد أكد على الصورة الماثلة للمكان، باعتبارها عتبة بصرية، تؤكد جماليات المكان، لكن التخريج عنده يتركز في وجود الإنسان في المكان بعبارة (الإنسان الذي يعطي للمكان هويته). والهوية كما ذكرنا إشارة إلى خواص الأمكنة المؤكِدة على هويتها، باختلاف البيئات. وهذا ما أكده ما ورد في متن الكتاب من تنوع يقترب من نسق كتابة أدب الرحلات من حيث تقصّي المتغير التاريخي الذاكراتي والمرئي البصري والمُعاش. أما تقديم أحمد الزبيدي، فقد وردت فيه جملة تصورات شخّصت العلاقات الأنثروبولوجية والفلسفية للمكان، ما أكد عبارتهما أمبرتو إيكو (ما لا يمكن تنظيره ينبغي سرده) وكأنه مؤمن بأن الذاكرة قد تضعف، لكنها لا تموت. وبهذا تقصى المقدم طبيعة مسار الكتاب من باب كونه دخولا وخروجا من الأمكنة، بعد الحصول على جملة تصورات شكلت تاريخاً سرياً ومعلناً لها.



