جلسة مع الذات العراقية ..
اليوم صار واضحاً للجميع ان العراق مهدد بالوجود دولة وتاريخا وحاضرا ومستقبلا. هذه الحقيقة بات يعرفها المبصر والضرير والحكيم والسقيم والفهيم والغشيم. حقيقة يدري بها حتى من لا يريد ان يدري أو يدعي ذلك. اذا كان الأمر هكذا وبهذه الخطورة وبهذا الحجم الكارثي فلابد ان تكون هناك جلسة صريحة مع الذات العراقية. جلسة حوار مباشر لا يخلو من القسوة والجرأة والحسم بين العراقيين وانفسهم .. لا اريد ان ارجع الى ما قاله استاذنا الكبير علي الوردي وما وصف به الشخصية العراقية التي احتفظ لنفسي حق التحفظ على الكثير مما قاله الرجل واعتبره البعض نصا طقسيا لا جدل فيه ولا جدال حتى انه وللأسف الشديد أمسى مرجعية للبعيد قبل القريب للطعن بالشخصية العراقية والتشهير بسلبياتها من دون الأشارة الى أية ايجابية فيها. لكننا لابد لنا ان نسأل ونتساءل من ذا الذي اوصل العراق الى هذا الحال ولا اسوأ منه ولا اتعس منه ولا أخطر. ما الذي جعل بلاد الرافدين تشكو الجفاف وأرض السواد قاحلة تستورد حتى التمر والخبز والبصل. ما الذي جعل مصير المال والأموال والثروة بين ايدي اللصوص وضعاف النفوس والفاسدين والمفسدين. من الذي جعل الوضيع بمنصب رفيع فتعملق على اكتاف الذوات واذل الأباة واحتقر العقول والكفاءات. من الذي اشاع الرذيلة والجريمة ومنح ارباب الفسق والفجور والأنحاط السطوة والجاه. من الذي حوّل الطبيب الى تاجر يمتص دماء الفقراء المرضى ليجعل من انسانية مهنته كابوسا يقض مضاجع البائسين من ابناء جلدته. من الذي جعل المعلم الذي كاد ان يكون رسولا سمسارا يبيع الحرف ويتاجر بالعلم. ما الذي جعل رجال يبدو عليهم انهم تقاة اربابا في دهاليز السياسة وبؤسها ونفاقها. من الذي جعلنا نرقص للهزيمة ونحتفي بها ونحتفل لأجلها ايما احتفال.. ونحزن للأنتصار ونعلن الحداد وايما حداد. ما الذي جعل تجارنا المسلمين يضاعفون أسعار المواد الغذائية في شهر رمضان لأنه شهر رمضان.. يا سلام … ما الذي جعلنا لا نفرق بين الموت والحياة ولا ندري ان كنّا امواتا أم احياء. من سرق منا أحلامنا. من قتل فينا الأحساس .. من حوّل ثروتنا ومصدر الغنى فينا الى سبب للفقر والتعاسة والموت والدمار. من منح الزنادقة منابر المساجد. من منح اللصوص صدى مطرقة القضاة. من حلّل المحرمات وحرّم الحلال ؟ من أشرك بالله وعبد الطاغوت وصفق للسلطان وانشد لسيف الظلم ؟ من سّلم الأرض والعرض وخان الأمانة ؟ من هو المتهم ومن هو الجاني ولمن غير الله يرفع شكواه الضحية ؟. أخيرا وليس آخرا الى اين نحن ذاهبون ؟.
منهل عبد الأمير المرشدي
m_almurshdi@yahoo.com



