«حنظلة» معركة الإرادة في سجون الاحتلال

موسى إبراهيم أبو رياش..
الكتابة عن فلسطين أو من أجل فلسطين عمل مقاوم، يصب في مصلحة القضية، ويبقيها حية في الأذهان، وخاصة الأجيال الجديدة التي يخف ارتباطها بفلسطين إلا من عواطف ومشاعر لا تستند إلى أرضية معرفية متينة، وتأتي رواية «حنظلة» للكاتبة الأردنية بديعة النعيمي ضمن مشروعها الإبداعي للكتابة من أجل فلسطين وقضيتها؛ لتعيد إلى الأذهان جرائم اليهود وخياناتهم وقذارتهم على مر التاريخ، وما تعرضت له فلسطين من جرائم العدو وخيانة الصديق.
تستحضر الرواية «حنظلة» الرمز الأشهر في الإبداع الفلسطيني، «حنظلة» ناجي العلي، رسام الكاريكاتير الذي كانت رسوماته رصاصات حارقة لكل أعداء فلسطين، ولم يوفر بعض قادة المنظمة الذين رأى أنهم خانوا القضية، أو تساهلوا في التمسك بها، وكان الثمن غاليا؛ إذ اقتنصته رصاصات الغدر في لندن 1987 وبقيت رسوماته حتى اليوم هي الأقوى والأكثر دقة وصراحة، شاهدة على حجم المؤامرة والخيانة.
وكما أن الغدر والخيانة تسببت في الخلاص من ناجي العلي، فقد كانت أيضا السبب في نكبات فلسطين في كل حروبها القديمة والحديثة، والسبب في اعتقال كل الشرفاء والمناضلين والأبرياء في سجون العدو؛ ففي الرواية اضطر «حنظلة» لمغادرة أمريكا بجواز سفر مزور، بعد أن تعرض للخيانة عن طريق دمية، واتهم بالقتل زورا، وفي معتقل النساء، حكاية أربع نساء دخلن السجن بعد أن تعرضن للخيانة من حيث لم يحتسبن، ومنهن أمه «حياة».
الخائن والعميل للعدو، لن يعدم الحجة لتبرير عمله القذر، وتسببه في سجن وقتل أبناء جلدته، فالعميل لا دين له ولا وطن ولا شرف، فقد باع نفسه للشيطان والدولار، فهو خادم رخيص لسيده، يستوي في ذلك من باع مناضلا أو باع وطنا، فالخائن خائن صغر عمله أم كبر. المسرح الرئيسي للرواية كان سجن النساء في الرملة، حكايات أربع نساء، تشاركن الألم والمصير والمقاومة والإصرار والعزيمة، لكن واحدة منهن وهي الصحافية، لم تطق صبرا بعد أن تعرضت للإذلال والاغتصاب مرات عديدة، فانتحرت، وكل اللعنات تصب على رأس العدو، وكل صامت يغض الطرف عما يحدث من بشاعة وقذارة في فلسطين وسجون الاحتلال.
معتقلات الفلسطينيين، على الرغم من أنها «مقابر للأحياء» كما أرادها العدو، إلا أنها تحولت إلى مدارس للصمود والمقاومة، وتحدي العدو وكسر إرادته، كما أنها مدرسة للتثقيف والتعلم والحياة، مدرسة للتضامن والتناصح والتعاضد، مدرسة للكبرياء والقيم الإنسانية والتضحية والفداء.



