“إدغار ألن بو” كتب قصص الرعب بدقة علم الرياضيات

حين نشر الكاتب الشهير إدغار ألن بو ملحمته في وصف الكون “يوريكا: قصيدة نثر” (Eureka: A Prose Poem) عام 1848، قوبلت بفتور بالغ من النقاد والقراء على حد سواء، ووصفت بأنها سخيفة، حتى من أصدقائه المقربين. ولا يعود السبب إلى احتوائها على بعض الافتراضات العلمية الخاطئة فحسب، بل أيضاً بسبب أسلوبه الساخر في وصف كبار العلماء آنذاك. لكن بو ظل يعتبرها حتى لحظة موته المفجع والمفاجىء، بمثابة تتويج لأعماله، وحري بها أن تحدث ثورة في عالم العلوم الفيزيائية والميتافيزيقية، وهو ما جعله يعتقد بأنه لم يعد راغباً في مزيد من العيش في هذا العالم، مادام لن يكون بمقدوره إنجاز أكثر مما حققه في “يوريكا”. فهل فات الجميع عمل ارتآه صاحبه تتويجاً لحياته بأكملها؟ ماذا لو كان هناك وجه آخر للرجل الذي أمتعنا بفيض حكاياته الغامضة والمرعبة على مدار عمره القصير؟
في كتابه الصادر حديثاً “سبب ظلام الليل: إدغار آلان بو وتلفيق العلوم الأميركية”، يحاول جون تريش، أستاذ تاريخ الأدب والفنون الشعبية في معهد واربورغ في جامعة لندن، رد الاعتبار لعمل آلن بو الأخير الذي أثار استهجان الجميع، من طريق تسليط الضوء على عصر كانت فيه الخطوط الفاصلة بين التكهنات والحقائق العلمية غير واضحة تماماً.
يوضح تريش في معالجته لحياة بو من زواية جديدة وجريئة، كيف يمكننا النظر إلى “يوريكا” باعتبارها مفتاحاً لأعمال بو الأكثر شهرة، “ربما تفتقر إلى الرعشة الرشيقة لحكاياته العظيمة المرعبة، ولكنها تقدم نظرة ثاقبة عن الهواجس التي صنعت تلك الأعمال، فقد عاش الرجل في فترة ظهور العلم الحديث، وعلى الرغم من هوسه بالعلم الجديد واستعداده لفهمه، وتشككه في المعرفة الإنسانية، فإن رؤيته الغريبة لم تتماش تماماً مع ثورة العلم في عصره”.
كانت مفردة عالم في حد ذاتها جديدة، ولم تتم صياغتها إلا في عام 1833، نتيجة لنظام مهني جديد يحاول الابتعاد عن النموذج القديم للفلسفة الطبيعية. لكن بو انشق على مثل هذا النموذج الذي، على حد تعبير تريش، يجعلنا خاضعين لطبيعة تُحركها قوى الاستقطاب: عوامل الجذب والتنافر، الطاقات الإيجابية والسلبية، الضوء والظلام، الحركة المستمرة بين النظام والفوضى. ومن ثم استهدفت “يوريكا” العلم المعاصر، بما أسماه تريش “هجوم الأرض المحترقة على قصر نظر رجال العلم المحترفين”. وفي الوقت الذي كان فيه هؤلاء العلماء يشكلون الجمعية الأميركية لتقدم العلوم، كان بو ينتقد المهنيين لصالح الهواة الرائعين والحدس الشخصي.
تمكن نهج تريش من الولوج إلى عالم بو بطريقة رائعة، واضعاً ولوعه بعلوم الكون على قمة حياته وفكره ومشاعره المضطربة إبان عصر ارتبط بظهور العلم وما نجم عنه من فوضى في التفسيرات المتاحة.



